العرب وعصرهم.. ضرورة الخروج من الغربتين

د. عمر الحامدي

القسم (الثاني)

3) العرب في مواجهة التحالف الإمبريالي الصهيوني

ولاستكمال صورة العرب وعصرهم في واقع التخلف والتجزئة والعدوان لا بد من استعراض سريع للأوضاع العربية في مواجهة التحالف الإمبريالي الصهيوني، فنحن نعرف جميعا ما حاق بالعرب عبر القرنين التاسع عشر والعشرين من جراء الاستعمار الأوربي والذي احتل الوطن العربي واستغل ثروات العرب وأعاق الوحدة والتقدم ، وعندما جوبه بمقاومة تاريخية أجبرته على الجلاء ، عمد التحالف مع الحركة الصهيونية التي تأسست في نهايات القرن التاسع عشر وادعت حق اليهود في فلسطين وتحالفت مع فرنسا نابليون ثم بريطانيا من اجل خطة استراتيجية جهنمية تحول دون وحدة العرب وقوتهم وهي زرع كيان دخيل يحول دون لقاء جناحي الوطن العربي , وفي نفس الوقت يزرع الفرقة ويفرض الحروب والدمار منعا لأي تقدم فكان وعد بلفور عام 1917 واحتلال بريطانيا لفلسطين لكي تعدها لتكون وطنا قوميا للصهاينة وهو ما أنجز في 15/5/1948 بقيام الكيان الصهيوني ، وللأسف فان هذا الكيان استطاع منذ حرب 1967 من احتلال كل فلسطين وأجزاء من سوريا ولبنان ، مصر ، قبل الجلاء بشروط دولية من سيناء لكن الخطير في الأمر ان العدو الصهيوني المدعوم من الغرب له خطة استراتيجية سينفذها من اجل التوسع وقد حقق مراحل هامة إذ بعد ان ثبت كيانه بعد حرب 1948 استطاع في حرب 1967 ان يحتل كامل ارض فلسطين ، واستطاع مع حلفائه ان يؤكد وجوده ويفرض توظيف نتائج حرب أكتوبر التاريخية في اتجاه الصلح معه بدون الإقرار بحقوق الشعب العربي الفلسطيني في العودة وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة ومع الوقت استطاع ان يفرض على النظام الإقليمي العربي الاعتراف به وجاءت مبادرة السلام العربية التي رفضها العدو حتى ألان لتسجيل موافقة النظام الإقليمي العربي للاعتراف بالكيان الصهيوني .
وعلى الرغم مما أعلنه الرئيس الأمريكي الجديد ( اوباما ) من رغبة في إحلال السلام بين العرب والصهاينة ، لكن النظام الصهيوني زاد على عهد نتنياهو الانحياز إلى اليمين والتطرف ورفض كل التنازلات العربية والفلسطينية ، لأنه يرى ان في قدرة الكيان الصهيوني فرض إرادته على امة ممزقة ومستلبه في مثل هذه الظروف لا بد ان نتوقف لنسأل ، ما عسى العرب ان يفعلوا وماذا في وسعهم ان يفعلوا عربيا وفلسطينيا ؟ وكيف يمكنهم فعل ذلك ومتى ؟ هذه الأسئلة الهامة تفرض نفسها على الجميع .

وسأقدم هنا تصورا بسيطا ولكن يمكن ان يكون مدخلا لحوار جاد :

· لا بد للعرب من إعادة الحوار المقطوع فيما بينهم حول العديد من الأمور وفي مقدمتها قضية فلسطين ،· ومواجهة الصهيونية ،· والعلاقة مع دول العالم ،· وكيف يمكنهم تحقيق التقدم وحماية أوطانهم .
· ان الحوار الجاد الموضوعي سوف يقود العرب وهم امة العقل والإسلام ولن يعدموا الرشد والتفكير السليم وان ذلك سيقودهم إلى تصورين عمليين على مستوى الوجود العربي وعلى مستوى حل القضية الفلسطينية .
على المستوى القومي : لابد من التفكير في تطوير الجامعة العربية لتصل إلى مستوى اتحاد عربي فاعل وهو فرصة العرب الراهنة.
على مستوى قضية فلسطين : إعادة صياغة المبادرة العربية لتكون من مستويين وعلي الصهاينة والعالم الاختيار .

أ. حل الدولتين .
ب- أو حل الدولة الديمقراطية الواحدة .

ومن غير القبول بذلك وبضمانة الأمم المتحدة فان الكفاح المسلح سيكون الحل الوحيد لحين ان يرعوي الصهاينة ويختارون السلام .

ثالثا دور العرب ، ضرورة الخروج من الغربتيين :

كما هو معروف وكما أشرت سابقا ان الأمة العربية تعيش محنة وأوضاعا مركبة لا يمكن الخروج منها إلا بوعي تاريخي وإرادة حضارية مقاومة تتوفر على الحكمة والتبصر لكي تتوصل إلى حلول مركبة تمكنها من حماية وجودها والدفاع عن حقوقها ومصالحها .
ولا يمكن ان يتوفر ذلك للأمة العربية بعد خبرة طالت القرن العشرين بحاله إلا إذا استعادت ذاكراتها وركزت وعيها وجندت إرادتها الحضارية على أساس علمي وموضوعي ، للتعرف على الواقع واستكناة كل خباياه والتقدم لحل الصعوبات والمشاكل بما يكفل الخروج من ألازمة الحضارية المتفاقمة والتي يمكن تلخيصها أنها متعددة المستويات الثقافية والسياسية والاقتصادية وان ذلك تكرس في أزمة مثلثة الأبعاد :

قطرها الشامل التخلف وضلعاها أوضاع التجزئة والعدوان الخارجي:

 


وفي إطار حديثنا عن العالم الذي وصفه ممن حضر لهذا الاجتماع من انه في حالة تشٌكل وما أطلقت عليه انه في حالة ( تقلب ) لا يقود إلى التغيير ، السؤال عن دور العرب في هذا العالم الذي وصفته في هذه الورقة بأنه متغرب ومتعولم يحاول فرض نموذج رأسمالية السوق وديمقراطية الليبرالية موظفا التقدم العلمي والتقني وقد رأيت حسب مقدمة هذه الورقة إن على العرب إذا كانوا جادين وحريصين للانخراط في هذا العالم في هذه المرحلة بالذات أن يقوموا بعدد من الخطوات منها :
– الخروج من غربتهم عن حضارتهم .
– الخروج من غربتهم عن عصرهم.
– تحقيق الوحدة منعا للطوفان .

خروج العرب من غربتهم عن حضارتهم
لما كان العرب كما هي سنة التاريخ ، بعد تقدمهم على مختلف المستويات ونجاحهم في بناء حضارة وإمبراطورية تراجعت أحوالهم لأسباب داخلية وخارجية وفقدوا سيادتهم منذ ألف سنة وخضعوا لحكم شعوب أخرى باسم الخلافة الإسلامية أو باسم الاستعمار وتخلفت أوضاعهم وتمزقت وحدتهم وتراجعت ثقافتهم وعاشوا قرونا فاقدين حق تقرير المصير وبالتالي مرت عهود وهم يغرقون في أوضاع متخلفة فتراجعت الثقافة إلى منعطفات جانبية قبلية وطائفية وافترسها جفاف المجري العام الذي لم يعد يتدفق بتلك القيم الإنسانية النبيلة ، قيم العدل والمساواة وكرامه الإنسان خليفة الله في الأرض والسلام والتقدم وتمحور الثقافة حول الماضي واجترار ثقافة نكوصية وان ادعت أنها استمرار لثقافة الإسلام وزادت الأوضاع انحطاطا خلال حكم الأتراك الذي دام لأربعة قرون فجاءت حروب الاستعمار الأوربي ليجثم على هذه الأمة فيقتسم وطنها ويعبث بثقافتها ويدفع بها بالعنف والإغواء للاغتراب عن حضارتها ويحاول تجريدها عنوة من كل القيم الحضارية التي بشرت بها الأمة العربية شعوب العالم وغرس ثقافته وقيمة المختلفة التي خبر العرب والعالم سلبياتها منذ قرون.
فكانت ردود الفعل على تلك الظروف وعهود الاستعمار متعددة وعلى الرغم من المقاومة والتضحية إلا ان الأمة واجهت ظروفا معقدة وخطيرة تعددت في مواجهتها المبادرات والاختبارات فهناك من ولى وجهه شطر الماضي و يعطي ظهره للحياة وتحدياتها ويرى الخلاص في إجابات السلف وينكر كل تجديد ، وهناك من توجه إلى المستقبل بدون زاد ولا اعتماد على الرصيد الثقافي للأمة وبالتالي انزلق نحو التغريب والاستلاب وهكذا انقسمت ثقافة الأمة إلى سلفيين يرفلون في حلة ماضيهم وسلفيون يتسربلون في حلل أسلاف الثقافة الغربية .
وهناك من مكنه وعيه وثقافته في أمته إلى ان ينهل من ثقافتها واختيار حاضره ويعمل نحو التجديد ومن خلال إعادة أبداع حياته وثقافته من خلال الصراع والحوار مع ثقافة العصر بشرط عدم تناقضها مع ثقافته ولا تقود إلى التغريب أو الاستلاب هكذا إذن هناك غربة ثقافية عربية لمن حاول ان يتقوقع حول الماضي وكأن الحياة توقفت ويتهرب من أسئلة الواقع وتحديات المستقبل ومن هنا فان أولى مراحل استفاقة العرب لمعرفة دورهم وتحديد مساهمتهم في عصرهم هو الخروج من هذه الغربة ، أي التراجع عن الانكفاءة السلفية نحو الماضي بدون تبصر .

خروج العرب من غربتهم عن حضارة العصر :

إذن هذه الأمة العربية التي فرضت بصماتها على تاريخ العالم تراجعت حتى تقوقعت على نفسها وتراجع دورها وطمع فيها الآخرون لان الحياة لا تعرف الفراغ لذلك تعرضت للغزو والاستعمار ولم تحترم ثقافتها وحاول المستعمرون فرض لغاتهم وثقافاتهم ومناهجهم وطرق حياتهم ومن خلال المقاومة والصدمة التي حصلت بعد الغزو الأوربي تعددت الردود الثقافية كما أسلفت وتعددت التيارات بين ماضوين سلفيين لم يجدوا الإجابة إلا من خلال ما مضي ، وبين ما عصفت به المتغيرات فانقاد نحو التغريب وتقليد المستعمر ومعروف تشخيص العلامة ابن خلدون منذ القرن الرابع عشر الميلادي ( ان المغلوب يهوي تقليد الغالب ).
وهكذا انقسم المجتمع بين سلفي لتراثه وسلفي لتراث الغرب ولم يقو المجتمع العربي على تقديم تفسير لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا وتعقدت الأوضاع لتخلفها عن حضارة العصر القائمة على تقدم العلم والتقنية وإقامة العلاقات على أساس المصالح والقوة ، والعرب في خلاف كيف يفهمون حضارة العصر المتعملقة التي أقصتهم من التاريخ وبالتالي كيف يستعيدون المبادرة ويحددون دورهم في عالم متعولم هذا سؤال هام ولكن الإجابة عليه ليست سهلة وعود على بدء فإني أرى ان الحل هو ان يعيد العرب نقد أوضاعهم لكي يعتمدوا على الايجابي والحي في ثقافتهم التي ينبغي ان تثبت جدارتها من خلال المقاومة والاستجابة للتحديات وليس الاستسلام واستسهال الحلول لاستلهام ماضي مع أهميته لكنه لا يعود .
ومن جهة أخرى لابد من التفاعل مع عصرهم لفهمه وهضم معطايته وتجاوزه كما فعلوا في بداية حضارتهم بعد رسالة الإسلام، وذلك لأسباب موضوعية كوننا جزء من هذا العالم ولا نستطيع ان نتجاهله أو نتفادى مخاطره من دون فهمه من جهة ومن جهة أخرى ان نتعامل معه بندية وجدارة وثقة في ثقافتنا التي نؤمن أنها إنسانية وقادرة على فعل التجاوز ، واختيار المنهج الداعي ( إلى الاستغراب ) بمعنى الفهم والقدرة على التجاوز وليس على الاستتباع .
ومعنى ذلك إننا بحاجة للخروج عن غربتنا عن العصر الذي هو بامتياز عصر القوة وعصر المصلحة وعصر تقدم التقنية ، وذلك لن يكون إلا بالتعامل انطلاقا من ثقتنا بأنفسنا وطرح صيغة ديمقراطية تقدمية من خلال ثقافة إنسانية قادرة على إعادة صوغ المجتمع الإنساني على أساس سلطة الناس .
 حرصت من خلال هذا الاستطراد للإجابة عن السؤال عن أي دور للعرب في هذا العصر الذي قلت انه يتقلب او يعاد تشكيله كما رأت الجهة الداعية ان أوضح عمق المأزق العربي وحجم التحديات قبل ان أتحدث عن الدور المأمول .
لأن جزءا من الدور الفهم الموضوعي للعصر ، والفهم الدقيق لأوضاعنا وضرورة تصحيح الأخطاء وما وصفته بالغربتيين عن حضارتنا وحضارة العصر حينها يكون الدور العربي مفهوما ومرتقبا ويمكن ان تفتح أبواب المستقبل أمامه هكذا إذن الأمة العربية الممزقة ، المتخلفة ، المعتدي عليها لا يمكن ان يكون لها دور بمعنى فاعلية حضارته ما لم تصلح ما حاق بها وتستعيد دورها دور بمعنى فاعلية حضارية ما لم تصلح ما حاق بها وتستعيد دورها وعيا وحركة انطلاقا من التوحيد القومي .

2) الوحدة أو الطوفان واهم الخطوات المطلوبة لهذا الدور الحضاري العربي المأمول:

امتلاك القدرة على تحرير الثقافة العربية لتكون معبرة عن الفاعلية الحضارية لهذه الآمة تتداخل فيها وتحقق ديناميتها إجابات الماضي والحاضر ومبادرات المستقبل .
خلق الوعي القومي وإرادة التوحيد لتجاوز الواقع البائس وإقامة الدولة القومية التي لها وحدها قدرة استثمار الإمكانيات وصناعة القوة والتحرير والتقدم والقضاء على التسلط والديكتاتورية.
دمقرطة الأوضاع العربية وصياغة منهج حضاري يبلور التصورات وسبل علاقات المجتمع بالدولة وكيف يمكن للإرادة الإنسانية المتحررة ان تصنع الحياة والتقدم .
وضع تصور للعلاقات الدولية من منطق تحرري عقلاني يرفض التدخل في الشئون الداخلية ويسهم في إعادة بناء العالم على أساس العدالة والمساواة ومنع الاستغلال والاستعمار .
إذن الدور العربي مرهون بجهد غير تقليدي يفرض تضحيات ويدفع باتجاه التحرر والوحدة والديمقراطية وباختصار أمام العرب خيارين خيارا عقلاني يمكن تحقيقه بتضحيات مقبولة وهو الانتقال إلى مرحلة الوحدة وأمام أعيننا ما حققته الدولة القومية للشعوب الأخرى وعلينا أن ننظر على الأقل إلى دور إيران وتركيا ولماذا أوضاعها أفضل من كل الدول العربية ، لان لكل منها دولة قومية قادرة على الفعل وفي نفس الوقت علينا الانتباه لأننا دخلنا عصر العولمة وهو عصر غير مواتي للوحدة ومن جهة أخرى لا يقبل إلا التكتلات والفضاءات الكبيرة وعلينا الاختيار .
أما البديل عن الوحدة ، فهو ما عبرت عنه بالطوفان أي الضياع وخضوع العرب لأعدائهم من إمبرياليين وصهاينة وسيكون للأسف مستقبلهم في أزمة خطيرة , لأنهم سينحدرون الي أوضاع مأساوية ستشكل خطرا على السلام في العالم بما يدفع القوى المعادية للتضحية بالعرب وحقوقهم

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter