العراق و الكويت .. نحو حل عادل و دائم تاج آل غدير القسم الاول

اولا: الكويت – النشأة :

في ضوء ما تفيد به معظم المصادر التأريخية الكويتية , فأن الارض التي انشئت عليها إمارة الكويت تمثل جزءا من الأرضي التابعة لولاية البصرة والتي كانت تسكنها قبيلة ( بني خالد ) التي نجحت في التخلص من السيطرة العثمانية في منطقة الاحساء وجوارها خلال عامي 1669 – 1670 , ويُنسَب الى شيخها وهو في أغلب الروايات ( برّاك بن عريعر آل حميد ) إنه امر ببناء حصن ( كوت ) للمُؤن ومأوى لرعاة القبيلة إذا ما قصدوا المراعي في كل عام وبعد البناء ومع مرور الزمن تجمع حول الكوت أو الحصن مجموعات من البدو من بني خالد وصائدي الأسماك في أكواخ بسيطة وشكلوا ما يشبه قرية صغيرة بسبب وجود عدد من عيون الماء المنتشرة حول الحصن .

ومع بداية القرن الثامن عشر وفدت لهذه المنطقة جماعات قبلية يطلق عليها إسم ( العتوب ) حيث سكنوها بموافقة بني خالد وحمايتهم , فمن هم العتوب ؟.

 تستخدم المصادر العربية عدة تسميات للعتوب منها : بنو عتبة , العتوبيين وعتبة . الا أن مصادر كويتية تشير الى ان سبب إطلاق هذه التسمية على هؤلاء هو كثرة ترحالهم من مكان الى آخر وخاصة ترحالهم الاخير حيث ( عتبوا الى الشمال ) حتى إستقروا حول كوت او الحصن . أما أصل العتوب فهم تجمع قبلي مكون من ثلاثة بطون هي : آل الصباح , آل خليفة والجلاهمة . وتؤكد المصادر إنهم بنتمون الى احد افخاذ قبيلة عنزة , وهي قبيلة عربية عدنانية كبيرة . وكان سبب هجرة العتوب على الارجح هو كثرة الصراعات القبيلة داخل شبه الجزيرة العربية وموجات القحط التي أجتاحت تلك المناطق .
عام 1756م تقلّد الشيخ صباح بن جابر , مشيخة العتوب حتى وفاته عام 1762م وقد إستطاع العتوب بزعامة آل صباح أن يحققوا انتعاشا كبيرا لمنطقتهم ويعزى سبب ذلك الى أن القرى المجاورة لهم كانت تعاني الكثير من الاضطرابات والحروب الصغيرة , كما كانت إمارة نجد قبل تأسيس الإمارة السعودية الاولى منقسمة على نفسها الى إمارات متناثرة متصارعة , ووسط هذا الاضطراب توطدت علاقة العتوب بالشركات الاوروبية التجارية التي إستفادت من ميناء (كاظمة) أو ( القرين ) وهما الإسمان اللذان كانا يطلقا على الكويت في ذلك الزمان . وقد ذكر الرحالة الالماني – كارسن نيبور عام 1765 – إن العتوب كانوا يعملون بالتجارة والغوص – صيد اللؤلؤ – وبناء السفن الصغيرة .
خاض العتوب خلال وجودهم صراعات كثيرة مع بني خالد , الذين أرادوا استعادة سيطرتهم على المنطقة وكثيرا ما كانوا يفرّون من قوات بني خالد الى جزيرة – فيلكة – ثم يعودون بعد انسحابهم لكون بني خالد ينتمون لمجتمع رعوي غير ثابت وبالتالي لا يمكنهم البقاء والاستمرار في هذه المنطقة , وبعد سنوات إنحسر نفوذ بني خالد وتلاشى , لكن العتوب كانوا يعانون من ضغوط بني كعب وكانت كعب من كبرى القبائل العربية في المنطقة ولديها اسطول كبير من البواخر الصغيرة حيث فرضت رسوما على أهل القرين أو الكوت وعلى عدة مشايخ في الخليج , الا ان العتوب بقيادة آل الصباح استطاعوا تطوير علاقاتهم مع شركات النقل البحرية الاوروبية والبريطانية منها بشكل خاص , حيث كانت بريطانية قد عقدت إتفاقيات مع مشايخ الساحل العربي في الخليج لتسهيل مرور بحريتها نحو الهند , وفي غضون ذلك إستطاع آل الصباح أيضا إبعاد أبناء عمومتهم – آل خليفة – الذين كانوا ينافسوهم على زعامة القبيلة من خلال مساعدتهم لهم في ما سمي بـ – فتح جزيرة البحرين – .

إستفاد آل صباح من هشاشة السيطرة العثمانية ومن تشجيع البريطانيين لهم نحو الإستقلال والتمتع بالحماية البريطانية ومع مرور الزمن وبعد ضعف الدولة العثمانية وإتساع النفوذ البريطاني في الخليج وفي عهد الشيخ مبارك طلبت بريطانية من مشيخة الكويت عقد إتفاقية بين الطرفين حيث وُقعت عام 1899 , وتقضي الإتفاقية بتعهد الشيخ مبارك وورثته من بعده بعدم تأجير أو بيع أو رهن أية قطعة أرض أو جزيرة وعدم التعاون مع أي طرف كائنا من كان إلّا بموافقة بريطانية , وبهذا الإتفاق ضمنت بريطانيا بقاءها , المسيطرة الوحيدة في منطقة الخليج .

إن ما دفع بريطانيا ومبارك الى هذه المعاهدة كما يبدو هي عدة امور أهمها : تفاهم ألمانيا والدولة العثمانية على بناء خط سكة حديد ( برلين – بغداد ) حيث وقع الطرفان إتفاقية بإقامة هذا المشروع عام 1898 , على ان يمتد من خليج البسفور وينتهي عند ساحل خليج كاظمة , بعد إن تم ربط برلين بأسطنبول بخط مماثل , كذلك سعت روسيا الى إقامة خط للسكة الحديدية يربط طرابلس – على البحر الابيض المتوسط بميناء كاظمة عبر حمص وبغداد .

كان الشيخ مبارك يرى بهذه المشاريع عائقا حقيقيا أمام طموحاته بتحقيق الاستقلال , لان تنفيذ أي من المشروعين سيعني وجودا رسميا – إداريا عثمانيا في الميناء مما يؤدي الى سيطرة عثمانية مباشرة على ميناء كاظمة .

أما البريطانيين ,فأن نجاح مثل هذا المشروع يعني لهم تأسيس إحتكارات ألمانية بعباءة عثمانية , سيمكن ألمانيا من فتح أسواق لها في العراق وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية بالإضافة الى نفوذها في الخليج , مما يوقع الكثير من الاذى بمصالحها , وبتقديرنا إن هذه المخاوف التي راودت الشيخ مبارك وحكومة بريطانيا كانت هي السبب المباشر لعقد إتفاقية عام 1899 بينهما . لقد تم تجاهل السيادة العثمانية في هذه الاتفاقية وإعتُبرت إمارة الكويت محميّة بريطانية بموجبها , وفي عهد الشيخ مبارك أيضا تم تحجيم نفوذ قبيلة كعب في منطقة الخليج عبر التعاون الذي كان يحصل عليه من بريطانيا .
عام 1913 مارس البريطانيون نفوذهم بالضغط على السلطان العثماني من أجل السماح للكويت برفع العلم العثماني على قصر شيخ الكويت وعلى البواخر الكويتية بشرط ان يُكتَب على العلم إسم – كويت – وقد سمح السلطان لشيخ الكويت بأخذ أموال الزكاة من المواطنين وإدارة المشيخة . لكن ذلك لم يغيّر صفته أمام السلطنة , كقائم مقام لقضاء الكويت التابع لولاية البصرة , هذه التسهيلات إعتُبرت خطوة كبيرة نحو الاستقلال من جانب مشيخة الكويت بل وفي اوقات لاحقة إعتبرها بعض المؤرخين الكويتيين بمثابة إعلان الإستقلال عن الدولة العثمانية .

ثانيا:  الحرب العالمية الأولى وإحتلال العراق :

تعاونت مشيخة الكويت تعاونا وثيقا مع القوات البريطانية حيث سهلت لها دخول الفاو وإحتلال البصرة وبعد ذلك فالقصة معروفة .
عام 1921 تأسست المملكة العراقية , واعلِن فيصل بن الحسين ملكا على العراق , وبعد بناء الدولة العراقية وفي عامي 1932 – 1933 حصل العراق على إستقلاله السياسي من بريطانيا وبقي قضاء الكويت تحت الحماية البريطانية . وفي عام 1936 وبعد تولي الملك غازي للعرش , قام بمطالبة بريطانيا بأرجاع محميّة الكويت الى السيادة العراقية بأعتبارها قضاءا تابعا لولاية البصرة , وقد أنشأ إذاعة تروّج عن حق العراق بأسترجاع الكويت حيث كان الملك يدعو الى ذلك شخصيا , ولا ننسى هنا ان الملك غازي كان يتمتع بشعبية واسعة في اوساط الشعب العراقي وبالتالي فإن هذه الأوساط الشعبية كانت مقتنعة تماما بما يقوله الملك كما أن مساعدة مشيخة الكويت للإنكليز أيام الإحتلال جعل معظم العراقيين ينظرون للكويت بأعتبارها حليفا للمستعمر البريطاني .

ثالثا: الكويت والجمهورية العراقية :

عام 1958 حصل الإنقلاب العسكري الذي قاده اللواء عبد الكريم قاسم وأيدته قطاعات واسعة من الشعب العراقي حيث تحول الانقلاب الى ثورة نقلت العراق من نظام الحكم الملكي الى نظام الحكم الجمهوري , ومما هو معروف كان نفوذ القوى الحليفة – للاتحاد السوفييتي – في الجمهورية الجديدة قويا , كما كان اللواء قاسم معروفا بمعاداته للاستعمار البريطاني , ولكن في الوقت نفسه لم يكن قاسم مقبولا من الحركات القومية وكانت معاداة الرئيس عبد الناصر له واضحة , ويُلاحظ إن مشيخة الكويت هي الاكثر تخوفا من التغيير الجديد في العراق الأمر الذي دفع أمير محميّة الكويت للتصرف وِفق الظروف الجديدة , وكان تصرفه حكيما بطلب الإستقلال عن بريطانيا – لإرضاء عبد الناصر – وإعطائها في الوقت ذاته إمتيازات نفطية سخية جدا , تستحق من بريطانيا الدفاع عنها , خاصة وإنها قد خسرت مستعمراتها الهندية بعد إستقلال الهند وباكستان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بوقت قصير.
عام 1961 تم إعلان إستقلال إمارة الكويت بوقت متزامن في كل من الكويت ولندن وقد وجه امير الكويت كلمة تهنئة لشعبه بهذه المناسبة . بادر اللواء قاسم رئيس وزراء العراق بتهنئة شيخ الكويت وأهل الكويت , ورحب بعودة الكويت الى العراق بعد تخلصها من الاستعمار البريطاني , وأعلن إنه بصدد إصدار مرسوم بتعيين شيخ الكويت قائم مقاما لقضاء الكويت ضمن لواء البصرة . رفضت الكويت طلب قاسم بشدة وطلبت الحماية البريطانية , والحقيقة ان القوات البريطانية كانت لازالت موجودة في الكويت . وقف الرئيس عبد الناصر ضد دعوة قاسم بحزم وأرسل للكويت قوات من الجيش المصري وطلب من دول الجامعة العربية إرسال قوات للكويت حيث وصلت اليه قوات من السعودية والسودان بالإضافة الى القوات المصرية . لكن قاسم لم يكن ينوي ضم الكويت عسكريا او بالقوة وكان يعتقد ان ذلك هو ما يريده أهل الكويت الأصليين , عندها وُضعت نقاط ومخافر على الحدود بين العراق والكويت وتُفيد بعض المصادر العراقية إن المخفر الحدودي العراقي كان في منطقة المطلاع شمال قرية الجهراء وهذا يعني إن حدود العراق في تلك الفترة كانت تمتد الى ما يقارب ( 70 ) كيلو مترا ساحليا وإن جزيرة بوبيان وجزيرة صغيرة أخرى كانت ضمن السيادة العراقية , ولكن وبعد أقل من عامين إشتدت الهجمة الناصرية ضد قاسم فدخلت رشاشات البور سعيد بكثرة الى العراق عبر سوريا وإجتمعت على قاسم الذئاب من كل حدبٍ وصوب , السلاح كان مصريا والمال كان كويتيا والأيدي التي نفذت ذلك الإنقلاب الدموي الوحشي كانت أيدي طائفية سوداء , وبعد قتل الرجل دفع عشرات الآلاف من العراقيين أرواحهم ثمناً لتأييد قاسم .

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter