العراق من الاحتلال البريطاني الى الاحتلال الأمريكي (وثيقة تاريخية خطيرة)

الإمام الخالصي الكبير يشترط على فيصل الاول : الاستقلال الكامل عن سلطة الانكليز  وعدم الانفراد بالحكم، ليقبله ملكا على العراق

قصة نفي العالمين الجليلين محمد الخالصي ومحمد الصدر الى ايران بسبب قيادتهما مقاومة الاحتلال الانكليزي

سفير بريطانيا في طهران: ما دام هناك أتباع في الأرض لقرآن النبي العربي, فان سلطة بريطانيا العظمى ستبقى في خطر كبير

الشيخ الخالصي الابن:  لن يرضى الانكليز عن شخص ما، الا اذا باع لهم دينه و ضميره و شرفه و وطنه وكرامته وكل حقوقه الطبيعية

حاول الانكليز تثبيط همة الشيخ ضاري المحمود بحجة طائفية ثورة العشرين فصفعهم بمقولته التاريخية (الجعفرية إخواننا وعلماؤهم قادتنا).

من فجائع الاحتلال الانكليزي للعراق: نفي العلماء وتقييدهم بالاغلال، و اعدام المئات من الشباب وقتل اكثر من عشرين الف عراقي وقطع رؤوس النساء في الناصرية و قرب المسيب وقصف مسجد الكوفة وتخريب البيوت وتهديم منازل العلماء في النجف و كربلاء بالمتفجرات و محاصرة النجف و اهلاك المئات من الابرياء عطشاً

 الاحتلال الامريكي للعراق في العقد الأول من القرن الحالي ـ يكاد يكرر بشكل كامل ممارسات الاحتلال البريطاني في العقد الثاني من القرن الماضي، وكلما كشفت وثائق جديدة حول الاحتلال البريطاني و إفرازاته و تداعياته في العراق وفي المنطقة الإسلامية، كلما ازدادت الصورة وضوحاً لفهم حقيقة الاحتلال الحالي وسبل مواجهته وخطط إنهائه وتقليص اضراره وفترة وجوده، وكانت المقولة الاستعمارية المشهورة((فرق تسد)) التي روجها الانكليز وطبقوها في الهند بشكل ناجح وحاولوا تطبيقها في باقي مستعمراتهم، اصطدمت في العراق بوعي العلماء المجاهدين والمراجع العاملين الذي افشلوا المخطط وتمكنوا من جمع أبناء العراق على قلب رجل واحد، حيث استمرت المقاومة ومنذ اللحظات الاولى لمجيء قوات الاحتلال البريطاني ونزولها الى الفاو في جنوب العراق سنة 1914 حيث تحرك العلماء المجاهدون بأنفسهم رغم سنهم المتقدم والظروف القاسية التي أحاطت بهم، ورغم ممارسات الحكومة العثمانية التي خضعت لتوجهات جمعية الاتحاد والترقي المشبوهة في التمييز العرقي((التتريك)) والتميز الطائفي، وكان الامامان المجاهدان السيد مهدي آل السيد حيدر والشيخ مهدي الخالصي الكبير علمي الجهاد في الكاظمية إضافة الى الشيخ المجاهد عبد الحميد الكليدار، حيث خرجوا بأنفسهم وعوائلهم مع المجاهدين وقاموا بعمل جبار في تجميع العشائر على طول مضاربها وامتداداتها في محاذاة نهري دجلة والفرات وما بينهما، كما خرج الامام المجاهد السيد محمد سعيد الحبوبي من النجف الاشرف على رأس عدد كبير من المجاهدين ليقوموا بنفس الدور المميز و الذي يعطي صورة صحيحة عن علماء الدين ورجاله المخلصين، وقد انقسم المجاهدون الى ثلاث جبهات لصد عادية القوات البريطانية، وكان العلماء معهم في المقدمة، ويشاركونهم كل ظروف المعركة بدءا من التدريب والاستعداد للقتال الى المشاركة بالمعارك وقيادتها والثبات في وجه المخذلين و المنهزمين، وقد كتب الإمام الشيخ مهدي الخالصي رسالة فقهية أرسلها من جبهات القتال، رد فيها على كل الشبهات التي يثيرها المتخاذلون والمعممون المدسوسون على الفقه والشريعة، وقد نشرت هذه الرسالة الفقهية الرصينة والتي سماها ((السيف البتار في جهاد الكفار))، على عدة أعداد من صحيفة صدى الإسلام التي كانت تصدر في بغداد آنذاك وعند مراجعتنا لهذه الرسالة، فإننا نجد فيها نفس الحوارت والاستدلالات الفقهية والردود على الشبهات المثارة التي عشناها وعاشها المسلمون وأبناء العراق خاصة في مواجهة الاحتلال الأمريكي الأخير، بدءاً من شبهة التحرير والخلاص من الاستبداد الداخلي(التركي آنذاك والبعثي الآن) والى الشبهة الخطيئة التي تقول ان احترام المراجع والعلماء يقتضي جلوسهم في بيوتهم ومدارسهم وعدم مشاركتهم في حمل هموم الامة ومواجهة الأخطار بشكل مباشر، وهذه الرسالة مهيأة للطبع مرة أخرى عسى أن يتم ذلك سريعاً، واستمرت المقاومة لثلاث سنين حيث قام المجاهدون بدورهم الفاعل الذي منع وصول القوات ألبريطانية بعد أن هزموها في عدة مواقع منها حرب الأهواز العظمى التي قادها الإمام الشيخ مهدي ألخالصي بنفسه والتي حققت نصراً عظيماً للمجاهدين على القوات البريطانية الغازية، ورغم نكسة المجاهدين في جبهة ألشعبيه ووفاة الإمام الفارس والمرجع المجاهد ألحبوبي هما وغما بسب هذه الفاجعة التي تتحمل مسؤوليتها القيادة التركية العسكرية، والتي انتهت إلى انتحار القائد التركي عسكري باشا في نيسان 1915، إلا أن المعركة الطويلة  توجت بانتصارين آخرين في المدائن جنوب بغداد ثم بمحاصرة الكوت واسر الجنرال البريطاني طاوزند و الاَلاف من الجنود البريطانيين والهنود الذين كانوا معهم0
  (استمرار المقاومة)
 واحتلت بغداد 1917،ولكن المقاومة استمرت والعلماء ساهرون، يعملون ويخططون حتى قامت ثورة النجف 1918 وقضى فيها المجاهدون على قائد الحامية البريطانية الكابتن مارشال وحكم فيها على احد عشر مجاهداً بالإعدام وعلى اثنين من علماء الدين المجاهدين الذين قادوا العملية، وكانا من مؤسسي جمعية الهداية الدينية التي مهدت للقيام بالثورة وهذان العالمان المجاهدان هما الشيخ المجاهد محمد جواد الجزائري،والسيد المجاهد محمد علي بحر العلوم، وقد نفذ حكم الإعدام بالمجاهدين وخفف عن العالمين الجليلين بسبب الضغوط التي مورست على البريطانيين لمنع إعدامهما0 وهي ضغوط شعبية وسياسية،وقد نظم الشيخ الجزائري وهو في سجنه قصيدة عظيمة يمكن اعتبارها قصيدة الثورة والتحرير، ولكن غيبت من أدبيات الأجيال اللاحقة بعد ان غيب التاريخ الجهادي الحقيقي لابناء العراق ولم تذكر في المدارس الرسمية، ولا حتى في الحوزات الدينية بعد أن تم اختراقها وتطويقها- يقول الشيخ المجاهد الجزائري
مددنا بصائرنا لا العيونا      وفزنا غداة عشقنا المنونا
تبعنا بها سنة الهاشمي      نبي الهدى والكتاب المبينا
وصنا كرامة شعب العراق     وكنا لعلياه حصنا حصينا 
وجحفل أعدائنا الانكليز        يملأ سهل الفلا و الحزونا
 واستمرت المقاومة
 
وبدأت بوادر  العمل واللقاءات بين وجهاء المدن والسياسيين وزعماء القبائل مع المراجع المجاهدين حتى صدرت الفتاوى، بعد ان ثبت للجميع حتى المترددين أو  المخدوعين، بان الانكليز لن ينسحبوا من العراق الا بالمقاومة والجهاد(هل ثبت هذا بالنسبة للمترددين والمخدوعين في احتلال اليوم!! ). وبدأت الفتاوى تحشد الناس حتى اجتمعوا في صحن الأمام الحسين(ع) في كربلاء ومن هناك أعلن الأمام الخالصي(الشيخ محمد بن الشيخ مهدي) وبحضور والده الخالصي الكبير والميرزا المقدس المجاهد محمد تقي الشيرازي الحائري قدس الله أرواحهم الزكية، وأطلق صرخته المشهورة في رفض الاحتلال والالتزام بوحدة العراق واستقلاله ووحدة الشعب ورفض مخططات التقسيم الوافدة مع المحتلين (يراجع نص الخطاب لملاحظة مدى وعي المراجع الحقيقيين للأمة وصلابة مواقفهم في تعرية الاحتلال ومجابهته وقياس ذلك بواقع اليوم ) نقل نص الخطاب المرحوم الشيخ فريق المزهر آل فرعون في كتابه(الحقائق الناصعة في الثورة العراقية ) والسيد محمد علي كمال الدين في كتابه(ثورة العشرين في ذكراها الخمسين)، ونقل عنه كل المؤرخين في تلك الفترة كالدكتور علي الوردي في لمحاته (ج5).
وقامت الثورة
 بعد تسعة ايام من هذا الخطاب الذي شكل بيان الثورة الأول وحشد العلماء وزعماء العشائر والسياسيين انطلقت الثورة من مدينة الرميثة الباسلة، وبواسطة المجاهدين من عشائر بني حجيم(الظوالم) حيث تمت العملية الاولى بشجاعة نادرة وخطة محكمة لإطلاق سراح المجاهد الكبير الشيخ شعلان أبو الجون رحمه الله. وامتدت الثورة الى أنحاء العراق من الشمال الكردي(ثورة الشيخ محمود الحفيد) إلى الجنوب العربي، وتجاوزت بوعي أبنائها حواجز الطائفية التي أراد الأعداء أن يضعوها أمام الثورة والمقاومة (نلاحظ نفس الحواجز التي يراد وضعها أمام مقاومة اليوم)، وكان المجاهد الكبير الشيخ ضاري المحمود بطل الثورة في مناطق غرب بغداد, حيث بادر إلى مواجهة الانكليز ومخططاتهم وانتهى الأمر إلى مقتل الكولونيل ليجمن في الواقعة المشهورة، وقد حاول الانكليز تثبيط همة الشيخ الضاري بحجة طائفية الثورة((الشيعة هم الذين يقومون بها بتوجيه علمائهم فما دخلكم انتم)), فكان الجواب التاريخي(الجعفرية إخواننا وعلماؤهم قادتنا), وجاءت الضربة الموجعة التي خلدها العراقيون بهوسة مشهورة(هز لندن ضاري وبجاها)
(هل يفسر هذا, الحقد الكبير الذي يكنه احتلال اليوم على أهله وأحفاده خصوصاً بعد تكرار الرفض لاحتلال اليوم والإصرار على هذا الموقف؟؟؟).
واستمرت المقاومة:
لقد حققت الثورة هدفاً كبيراً وهو إجبار الانكليز على تغيير حكمهم العسكري المباشر, حسب الخطة الأولى, وسحب ممثله الكولونيل ولسن, واستبداله بحاكم سياسي سمي المندوب السامي وهو السير برسي كوكس(هل حققت المقاومة اليوم نفس النتيجة حين أجبرت مخططي الاحتلال الأمريكي اليوم على تغيير خطتهم من الحكم العسكري المباشر وسحب ممثله العقيد جي كارنر وإبداله بحاكم سياسي هو بول بريمر وبكلام آخر هل كان جي كارنر هو حفيد ولسن, وبريمر حفيد كوكس ولو من الناحية السياسية).
واستمرت المقاومة:
          حيث جاء الانكليز بحكومة عراقية ولكن تحت إشراف المحتلين(وهذا نفس ما جرى منذ مجلس الحكم وحكومات الاحتلال الى اليوم), فأبى الوطنيون الحقيقيون القبول باللعبة, ورفضوا الدخول تحت راية الاحتلال ومشروعه السياسي(عمليته السياسية التي نرى ما يماثلها في العراق اليوم). وأراد المحتلون سرقة الثورة, أو تحويل أهدافها أو تزييفها(يلاحظ نظيره من خلال تحريف الصراع وتهييج الطائفية وتصعيد الإرهاب ضد الشعب العراقي حتى يمهد الى ما يسمى بالصحوات التي تحارب الإرهاب ولكنها تدفع لمحاربة المقاومة) وشكلت الحكومة الهزيلة برئاسة عبد الرحمن النقيب رغم تحذير الإمام الخالصي له بشكل مباشر وقوي واسقطت المقاومة سياسيي الأمس الطائفيين كما أسقطتهم اليوم وقال العراقيون ابياتاً شعبية تكفي لتوضيح الصورة
يـا نقيب يـا نقيب           عجب ما عندك صحيب
من عفت جدك محمد        صار لك كوكس حبيب
 
(فكثير من الذين تركوا جدهم محمداً, أو نبيهم محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم), صار لهم كوكس حبيباً بالأمس, وبريمر حبيباً اليوم).
واستمرت المقاومة:
 رغم انف الانكليز وعملائهم ووزرائهم وصدرت الفتاوى بحرمة الانتخابات المزيفة التي يراد منها تمرير المعاهدة العراقية البريطانية(انتخابات الاحتلال المزيفة اليوم مررت الاتفاقية الأمنية) ولم يجد الانكليز أمامهم إلا طريق القمع المباشر أو بواسطة العملاء – وانتهى دور النقيب فجيء برجل من الأجلاف الذين عاشوا في ظل العسكرية التركية ولم يكن يجيد الكتابة بلغة أهله(العربية)، عينوه رئيسا للوزراء، وذلك بعد مجيء فيصل وتعيينه ملكاً على العراق، وقد اشترط الإمام الخالصي الكبير على فيصل شرطين ليقبله ملكاً على العراق(الاستقلال الكامل والانقطاع عن سلطة الغير)، كما ورد في نص البيعة؛ والثاني(عدم الانفراد بالحكم)، إذ لابد من مجلس نيابي يمثل الشعب يتم الرجوع اليه في اتخاذ القرارات وأحس كوكس بخطر هذه الشروط وانحياز شعب العراق إليها بشكل كامل، وصدور الفتاوى التي أيدها أبناء العراق كافة بقومياتهم العربية والكردية والتركمانية وغيرهاً، وبأديانهم المتعددة مسلمين ومسيحيين ويهود وغيرهم، مما جعل كوكس أمام أزمة حقيقية خانقة.
وجاء القمع وتم ضرب قادة الحركة الوطنية الإسلامية وتم تسفير الكثير إلى الخارج وخصوصاً الى جزيرة هنجام وطلب من الإمام ألخالصي الكبير إن يدفع ابنه الشيخ محمد ألخالصي إلى الخروج من العراق، لان المحتلين حسبوه لولب الحركة الوطنية حيث كان حاضراً في كل الساحات واليمين الفعالة لمرجعية الثورة المتمثلة بالمرحوم الشيرازي، والمستمرة بشخص ألخالصي الكبير بعد وفاة الأول، وطلب كذلك من السيد حسن الصدر رحمه الله اخراج ابنه السيد محمد الصدر إذ خرج مع الخالصي في نفس السيارة حيث غادرا العراق إلى إيران وكان هنالك حادث خفي وخطير, اذ همس السيد جعفر عطيفة رئيس بلدية الكاظمية في اذن الشيخ محمد في السيارة, وكان موالياً لابيه للامام الخالصي في قلبه, بكلمة خطيرة تتعلق بمخطط الاندساسات البريطانية القادمة والتي ظهرت اثارها في مراحل لاحقة.
وجاءت المفاجأة، أن المقاومة ظلت وفية لمبادئها واستمرت على دربها وواصلت العمل لتحقيق أهدافها، رغم خروج الرجال الذين حسبتهم سلطات الاحتلال وسائل الثورة، ويد المقاومة ،ظانين أنهم  بإخراجهم، سيجعلون الإمام ألخالصي الكبير وحيدا لا يستطيع الحركة لإدامة المسيرة ، ولكن الذي شاهدوه أن مرجعية الإمام ألخالصي ظلت فاعلة ومستقطبة لجماهير الامة، بل وأعلن أمام الناس أن فيصلا قد نقض الشروط التي تم قبوله على أساسها ملكا على العراق، وان بيعته قد انتقضت بذلك، فلم يبق له في أعناق العراقيين أية بيعة، وهنا جاءت الوثيقة الخطيرة التي نحن الآن بصدد دراستها وتوضيحها وترجمتها بشكل كامل .
 فبعد إبعاد الإمام الشيخ محمد ألخالصي(الابن) والسيد محمد الصدر إلى إيران -جرى لهما استقبال حافل من قبل القوى الوطنية المعارضة للتسلط البريطاني على إيران ومن عموم طبقات الشعب الإيراني الناقمة على السياسة البريطانية (كانت هناك اتفاقية أمنية فرضت على الشعب الإيراني ووقعها رئيس وزراء إيران سنة 1919- واسمه وثوق الدولة وسبب نقمة واسعة حتى عُد هذا الشخص خائنا في نظر اغلب الإيرانيين).
وكان الإمام الخالصي(الابن) – يحضر في المناسبات واللقاءات ويحاضر في المساجد والاجتماعات، يتحدث عن جرائم الانكليز في العراق، متعاطفاً مع كل الناقمين على السياسة البريطانية، بل عُدَّ صوته, الرمز الوحيد لمقاومة السياسة البريطانية آنذاك على حد تعبير السيد نور الدين كيانوري رئيس الحزب الشيوعي الإيراني(توده)، كما قام بتحشيد الجماهير والخروج بمظاهرات لمواجهة مخطط الانكليز للسيطرة ليس على العراق فقط بل للسيطرة على المنطقة بما فيها إيران، وقد كتب السفير البريطاني في طهران(وهوا أحد أعمدة السياسة الاستعمارية) السير برسي لورين وثيقة خطيرة يقول فيها(يعد الشيخ محمد ألخالصي المهيج الرئيسي ضد السياسة البريطانية)، وهذا السفير هو نفسه صاحب الرسالة التي نشرت في الصحف الايرانية، والتي تأتي هذه الوثيقة المنشورة والمكتشفة حديثا للرد عليها وتوضيح الأهداف الاستعمارية الخبيثة المقصودة منها وقد نشرت هذه الوثيقة المهمة والخطيرة في مجلة فصلية تخصصية هي مجلة دراسات تاريخية(مطالعات تأريخي) التي تصدر باللغة الفارسية والمهتمة بنشر ومتابعة البحوث والوثائق التاريخية في إيران والمنطقة، وكانت المجلة قد قامت بنشر بعض الوثائق المهمة المتعلقة بتأريخ إيران والمنطقة وكثير من هذه الوثائق لها ارتباط مباشر بوضع العراق وإن لم تكن عراقية في اغلب موضوعاتها0 وقد قام مركز وثائق الإمام الخالصي بالتعاون مع هذه المجلة وقدم لها بعض الوثائق السابقة أو أرشدها إليها، ولكن هذه الوثيقة نشرت في المجلة دون اطلاع المركز أو احد من تلاميذ مدرسة الإمام ألخالصي فكانت وثيقة جديدة بالنسبة للقارئين، وهي في نفس الوقت وثيقة خطيرة جامعة، ففيها إجابة على كل الأكاذيب التي طرحها السفير البريطاني، وبشكل رائع ومفصل، وهذه الإجابات نفسها ترد على الشبهات والأكاذيب التي جاء بها الاحتلال الأمريكي وعملاؤه هذه الأيام بصورة دقيقة، فكأنها رسالة لمواجهة اليوم وليست رسالة لمواجهة تمت قبل أكثر من ثمانية عقود. وسبقت الوثيقة توضيحات مهمة كتبها ناشرها الباحث السيد هداية الله بهبودي وهي مقدمات مهمة تلقي الضوء على أوضاع العراق بعد ثورة العشرين وفي ظل العملية السياسية التي صاغها المحتلون، والتي وصفت العراق انه  قطر تابع للمصالح البريطانية حتى النهاية المأساوية لهذا المخطط في 14 تموز 1958، وما مر خلالها وما بعدها من احداث مأساوية كانت تعصف بالعراق استباحة ودمارا حتى وصل الحال إلى الاحتلال وعمليته السياسية المعقدة والبغيضة والتي جعلت العراق ومؤسسات الدولة فيه قطعا ممزقة يستبيح كل جزء منها مجموعة من المستغلين والمنتفعين، وكل هذه المجاميع تركب قطار الاحتلال الذي سيرميهم إلى الهاوية وهم لا يدرون الى اين ينتهي مشروعهم هذا, وفي أي يوم سيتكرر ما جرى في 14تموز, أو ما هو اشد وأقسى.
 
نص ما ورد في المجلة
 المقدمات
وضع البحث عنوانا كبيرا ورئيسيا للوثيقة وهو(الرد على رسالة سفير الانكليز) وبدأت المقالة بالمقدمة التالية
توضيح
 شهر يور1301 هجري شمسي (أيلول 1922) تم  ابعاد اثنين من علماء العراق إلى إيران بسبب معارضتهم لسياسة الانكليز في العراق بعد وقوعه تحت احتلالهم.
 
وقد أدى هذا العمل إلى تصاعد الغضب في الأجواء السياسية ضد الحكومة البريطانية، خصوصاً في الصحف والنشرات المطبوعة. ولمواجهة هذه الحالة اضطر السفير البريطاني في إيران(عبر عنه بالوزير المفوض)، إلى كتابة رسالة موجهة إلى رئيس وزراء إيران قوام السلطنة، ذكر فيها أن الحكومة البريطانية لا تتحمل أية مسؤولية عما ذكر من نفي العلماء العراقيين إلى إيران، وضمن تأكيده على تكذيب هذا الأمر، شرح مبررات الإجراءات التي قام بها المندوب السامي  البريطاني في العراق. وقد قامت بعض الصحف الإيرانية بنشر هذه الرسالة(بناء على طلب السفيرـ توضيح المترجم). فجوبهت برد مفصل من الشيخ الخالصي(الابن) وهو احد العالمين المبعدين من العراق.
وخلال بحثنا عن تأثيرات هذا الحدث(نفي العلماء) وانعكاساته في الوثائق الإيرانية، وجدنا رسالة بعثها المفوض العام الإيراني في بغداد(منتخب الدولة)وهي مؤرخة في 7 شهر يور 1301 ومعنونة إلى وزارة الخارجية الإيرانية جاء فيها(الأوضاع العامة في العراق اليوم شديدة الاضطراب، ولا احد يستطيع أن يحدد آفاق المستقبل) وقد وجهت الإدارة الانكليزية العليا إلى الشيخ محمد الخالصي – نجل حجة الإسلام الخالصي – والسيد محمد الصدر – نجل حجة الإسلام حسن الصدر إنذارا بوجوب مغادرة العراق خلال أربع وعشرين ساعة. وقد رفض الرجلان هذا الإنذار وأعلنا أنهما لن يغادرا العراق بملء إرادتهما، الا ذا قام الانكليز بإخراجهم قسراً ولكن والدي الرجلين الخالصي والصدر وجدا انه ليس من الصواب أن ترتفع وتيرة الصدام مع المحتلين في هذه المرحلة فأذنا لابنيهما بالخروج من العراق، وقد تحرك العالمان المذكوران بعد ظهر هذا اليوم باتجاه إيران بعد أن قام عدد كبير من أهالي بغداد والكاظمية بتوديعهما. الشيء الذي يمكن أن نقوله حول الأسباب التي دفعت بالانكليز إلى نفي هذين العالمين إلى إيران، هو أن الحكومة البريطانية وبعد تنصيب(فيصل) ملكا على العراق(23 آب 1921ميلادي , 31 خرداد 1300) بدأت ببذل الجهود لتوقيع اتفاقية مع العراق تشكل ببنودها بديلا للهيمنة البريطانية فيما لو ألغت وصايتها على العراق. وقد بدأت المحادثات حول هذه الاتفاقية في 29سبتمبر 1921 وفي 10أكتوبر 1922 تم الإعلان عن المعاهدة بعد ان وصلت الى الدرجة القطعية وكان سبب طول مدة المحادثات بين الحكومة البريطانية والملك فيصل, تصاعد حركة المعارضة لهذه المعاهدة من جديد. وتشير التقلبات السياسية في العراق طوال هذا العام إلى تصاعد وتيرة الاعتراضات على هذه المعاهدة كلما اقتربنا من إقرارها وإعلانها. بحيث وصل الأمر إلى حد القول أن الجهود والأعمال التي تمت من قبل المعارضين في مدن الفرات وبغداد والكاظمية ضد الوصاية والمعاهدة وبتوجيه وتشجيع علماء الدين, قد وضعت العراق حسب وصف المندوب السامي البريطاني برسي كوكس, في حالة شبيهة بالحالة التي سبقت قيام ثورة العشرين. هذه التطورات التي تتحدث عن تبلور نهضة جديدة ضد الوصاية البريطانية دفعت المندوب السامي البريطاني إلى استعمال القوة العسكرية لمواجهة هذه الحركة والعمل لإنهائها وتحطيمها. وبشكل واسع شمل كل المعارضين. في البداية اصدر المندوب السامي بيانا بتاريخ 26 آب 1922 أعلن فيه حل الحزب الوطني وحزب النهضة في العراق وأمر باعتقال قادتهما, وتم إبعادهم مع اثنين من رؤساء الصحف((صحيفة المفيد وصحيفة الرافدين)) الى جزيرة هنجام في الهند كما اصدر أمرا بنفي الشيخ محمد الخالصي والسيد محمد الصدر)).*2*
ومن اللافت للنظر أن خبر وصول هذين العالمين الكبيرين الى إيران, لم يصل إلى صحف طهران ومطبوعاتها من البداية وإنما نشر في عدد خاص أصدرته صحيفة محلية في محافظة كيلان في شمال إيران(وهي صحيفة نداي كيلان). هذه الصحيفة وفي العدد الخاص(فوق العادة), الذي نشرته أدرجت الخبر تحت عنوان( اهانة الى العالم الإسلامي), ووجهت انتقادات شديدة الى السلطات الاستعمارية البريطانية كتبت فيها(الأشخاص الذين حافظوا على قيم الإسلام وكرامة المسلمين, يواجهون اليوم خطرا جديا على حياتهم من قبل الانكليز). وقد أنهت هذه الصحيفة بيانها المعارض للانكليز بهذه العبارة المنسوبة الى السير ادوارد كري((ما دام هناك أتباع في الأرض لقرآن النبي العربي, فان سلطة بريطانيا العظمى ستبقى في خطر كبير))*3*.
 
شيئا فشيئا بدأ الخبر ينتشر ويلف الأجواء في طهران فكتبت صحيفة إيران إن علماء إيران بدأوا بإجراء الحوارات لتشكيل جلسات نقاش مباشر حول الإحداث التي تجري في العراق, خصوصا قضية ابعاد اثنين من العلماء البارزين *4* هذه الخطوات اتخذت خلال فترة وصول العلماء الى المدن الحدودية في إيران.
فقد دخلوا إيران عن طريق كرمان شاه, وبعد توقف قصير واصلوا السير الى همدان, حتى يواصلوا مسيرهم الى طهران واحدا بعد الأخر, وقد وصل السيد محمد الصدر الى همدان بتاريخ 25 شهريور1301هجري شمسي *5* شيئا فشيئا بدأ الحدث يلقي بانعكاساته الواسعة على المطبوعات, وبدأت الأجواء الثقافية التي كانت مشحونة بالعداء لبريطانية، تزداد هيجانا ضد السياسية البريطانية بشكل عام. العلماء المجاهدون المقيمون في العراق والذين خاطبوا الحكومة الإيرانية في رسائلهم البرقية، لاستقبال العالمين المبعدين بشكل حار ولائق وطالبوا بمناقشة آمر إبعادهم مع السلطات البريطانية، فأنهم اشركو وورطوا حكومة قوام السلطنة بشكل عملي في هذه القضية. لذلك دخلت الحكومة في مراسلات سياسية مع السفارة الانكليزية في طهران *6* وجاء حدث أخر مهم في نفس هذا السياق، وهو انتصارات كمال اتاتورك في الحرب مع اليونان وتحرير بعض المدن التي كانت تحت احتلالهم، لتبقى أجواء الصحافة الإيرانية، في معارضتها الشديدة للسياسة البريطانية. وقد ظهرت شخصية أتاتورك في إيران بعد تلك الانتصارات، وهي تتحدث عن قائد من العالم الإسلامي وهو يواجه بإقدام وشجاعة جموع اليونانيين الذين كانوا يحظون بدعم العالم الغربي والقوى التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى, فقد بدت  الصورة وكأنها حركات جهاد جديدة ضد الصليبيين*7*. لقد بدأت توجهات المعارضة تصل الى مجلس الشورى الإيراني(البرلمان) فقد قام أعضاء المجلس الذين كانوا يتابعون ويتداولون أحداث البلد المهمة, بإفساح المجال لرئيس الجناح المعارض سليمان ميرزا ليلقي خطابا منمقا من منصة المجلس النيابي ضد السياسة البريطانية. وأدان الممارسات المهينة ضد علماء العراق وتساءل, ماذا فعل هؤلاء العلماء ليجبروا على ترك أوطانهم ثم أجاب بنفسه وقال((إنهم كانوا يقولون, أن امة الإسلام يجب أن تتحرر)) وأضاف((نحن أعداء من يعادينا ويعادي حريتنا, ونحن أصدقاء لاولئك الذين يقدروننا ويقدرون إسلامنا وحريتنا)). وقد جوبهت كلمات النائب سليمان ميرزا بتأييد جارف وتشجيع مستمر من باقي أعضاء المجلس. وقد قام رئيس الوزراء قوام السلطنة, الذي كان حاضرا في هذه الجلسة بتوضيح الإجراءات التي أقدمت عليها الحكومة حول مسألة إبعاد العلماء من العراق *8*. هذه الأحداث والتصريحات كانت تتم ولم يكن أي من العلماء المبعدين قد وصل الى طهران, آية الله الخالصي(الابن) وصل الى همدان في الأول من شهر( مهر)1301 هجري شمسي. وكانت الصحف تتحدث بشكل دائم عن الأوضاع المضطربة في العراق. وقد أكدت صحيفة(شفق سرخ) الأفق الأحمر, (أن أحرار العراق ما زالوا يواصلون جهودهم ضد التسلط الاستعماري في العراق) وتحدثت بناء على المعلومات الواصلة عن وقوع اشتباكات بين العشائر والقوات البريطانية *9*. العالمان المبعدان وصلا الى طهران يوم الجمعة السادس من شهر( مهر )1301 وقد هيئت أجواء الاستقبال اللائق(فقد عين محل وصولهم في البداية في منطقة شاه عبد العظيم(الري في جنوب طهران). ومن ثم يتجهون الى المركز ويستقرون ببيت السيد البهبهاني)*10* وقد وصل السيد محمد الصدر في اليوم المذكور اما الشيخ محمد الخالصي فأنه تأخر في الوصول بسبب عارض أصاب المركبة التي كانت تنقله من قزوين الى طهران. وقد عكست الصحف مراسم استقبال السيد محمد الصدر فقالت إن الناس((كانوا يرفعون الأعلام الإيرانية والعثمانية فوق رأس الضيف العزيز والحاضرين, وكانوا يظهرون عواطفهم الجياشة بين مرحلة وأخرى))*11* وقد أطلقت شعارات سياسية في هذا الاحتفال, كان بعضها موجها ضد الانكليز وسياستهم. *12* وقد وصلت مواقف الصحف ضد الانكليز في هذه الفترة الى درجة  اضطر رئيس الوزراء قوام السلطنة الى نشر بيان في صحيفة إيران انتقد فيه المواد المنشورة المعادية للانكليز. والتي عبر عنها بالمواضيع الخارجة عن اللياقة. وقد أوصى الصحف والمطبوعات(بمراعاة وضع العلاقات الحسنة بين بريطانيا وإيران والامتناع عن إيراد العبارات الخارجة عن اللياقة والعارية عن الصحة في تقاريرهم وأخبارهم الصحفية). وقد نفى رئيس الوزراء ما نشرته صحيفة اقتصاد إيران حول موافقة إيران على نفي العالمين المجاهدين من العراق وقال((الأمر على عكس ذلك, فأن الحكومة سارعت الى تهيئة الظروف لعودة الرجلين الى ديارهم منذ لحظة وصول خبر ابعادهما)).*13* وفي هذا الوقت بادرت صحيفة إقدام الى طبع مقالة, لتعريف قرائها بمقام العالمين المبعدين وأشارت الى تاريخ نشاطهما الجهادي ضد الانكليز.*14* أية الله الخالصي الابن(الشيخ محمد الخالصي), والذي وصل الى طهران يوم السبت السابع من شهر مهر, قام بإلقاء أول خطاباته المعادية للانكليز في بيت السيد مير سيد علي بهبهاني, وبحضور عدد من العلماء وحجج الإسلام وشرائح مختلفة من الناس. *15* وكانت الأجواء السياسية ما زالت متهيجة ضد الانكليز, ومن اللازم أن نقول سبب هذا الهياج لا يعود  فقط الى قيام الصحف بنشر أخبار مثيرة مثل نفي العلماء المجاهدين, وإنما حالة الانزعاج من الانكليز وأفعالهم بشكل كبير بعيد الاتفاقية التي أرادوا فرضها على إيران سنة 1919 , والنشاطات التي تمت لمقاومتها وإلغائها, فقد وصلت حالات الرفض الجماهيري الى أوجها بعد تلك الأحداث, ولعل أهم وثيقة بين أيدينا, هي الرسالة التي أرسلها اللورد كروزون إلى السفير البريطاني في طهران برسي لورين((في السنوات العشر الماضية أنفقنا الملايين والصحيح أن أقول أتلفنا الملايين في تلك المملكة(إيران). وكنت أنا شخصيا الوزير الانكليزي الذي أمضى في السنين الخمس والثلاثين الماضية, اوقاتاً طويلة مريرة من اجل وحدة إيران واستقلالها. في حين أن الآخرين لم يعطوا لهذا الهدف أكثر من ساعات أو ايام. ولكن ماهي نتيجة هذه الجهود؟ انه الانهيار الكامل لسمعة ونفوذ بريطانيا في تلك البلاد))*16* في مثل هذه الظروف اضطر السير بيرسي لورين السفير البريطاني في طهران الى إرسال رسالة إلى رئيس وزراء إيران قوام السلطنة أنكر فيها أي دور لحكومة بريطانيا في قضية إخراج العلماء المذكورين من العراق. ارسلت هذه الرسالة في الأول من شهر مهر الى رئيس الوزراء ونشرت بعد أربعة ايام في صحيفة إيران. وكانت صحيفة نصف رسمية, وكانت تتخذ طريقة المصالحة فتدافع عن قرارات الحكومة. مع كل هذا فان هذه الصحيفة قامت بنقل خبر مهم عن صحيفة العراق بتاريخ 7محرم 1341هـ, أي بعد يوم واحد من نفي العلماء ـ وتحت عنوان سفر جاء فيه((ان المندوب السامي البريطاني قد ابلغ السيد محمد الصدر والشيخ محمد الخالصي بلزوم الخروج من العراق, وقد قام السيدان المذكوران بالسفر الى إيران ليلة الثلاثاء))*17* وفي الواقع فان إيراد هذا الخبر كان يعني تكذيب ما كتبه السير بيرسي لورين في رسالته التي نبحثها في هذه الدراسة والتي وجهها الى رئيس وزراء إيران قوام السلطنة.
 
نص رسالة السفير البريطاني في طهران الى قوام السلطنة ومقدمة صحيفة إيران.
رسالة السفارة البريطانية.
 
ـ نص ما ورد في المجلة ـ 
المقدمات
وضع الباحث عنوانا كبيرا ورئيسيا للوثيقة وهو
(الرد على رسالة سفير الانكليز)
 
الرسالة الآتية – ارسلت من قبل السفارة البريطانية الى سيادة رئيس الوزراء(المعظم)، وطلب نشرها في الصحف المحلية، وقد أرسلت الينا من مكتب رئاسة الوزراء ونحن نقوم بنشرها بناء على ذلك
 
(نص الرسالة: الاول من شهر مهر( ميزان ) 1301 يوافق 1922 م).
 
السيد رئيس الوزراء
 
في الأسبوع الأخير لفت انتباهي وجود مقالات وكتابات صحفية تتهجم على حكومتي ومحميتها في العراق والسبب(حسب زعم المقالات) نفي اثنين من ابناء كبار العلماء والمراجع المحترمين وقد قمت بأجراء بحث دقيق حول الموضوع، ويسعدني ان اقول بثقة وصراحة متناهية ان ما ورد في تلك المقالات الصحفية، مجانب للحقيقة واتمكن بثقة كاملة من رد وتفنيد كل ما جاء فيها ولقد ظهر من التحقيقات الخاصة، وما اعتقده شخصيا ان الهدف من كل هذه التصريحات المتناغمة ونشرها في الصحف بشكل مركز، قطع العلاقات التأريخية الحسنة بين العالم الإسلامي وبريطانيا العظمى وانها تخلق بالاخص حالة من التشنج والتوتر بين الامتين الإيرانية والبريطانية. فقد افاد المفوض السامي البريطاني في بغداد بأن السيدين المذكورين فيما فات(الخالصي والصدر) كانا بصدد القيام ببعض الاعمال المعارضة للحكومة العراقية، وكان هذا التصرف ناتجا من تأثير بعض المحرضين، وفي الواقع ان هؤلاء المحرضين قد استغلوا قلة خبرة السيدين المذكورين، ولكن بعد كشف المؤامرة وبدلا من أتخاذ الاجراءات الطبيعية التي تعتبر حقا لكل حكومة في العالم من اجل ضبط الاوضاع ،فان المندوب السامي بادر الى ابلاغ والدي السيدين – الشيخ مهدي الخالصي الكبير والسيد حسن الصدر- تفاصيل الاحداث وطلب منهما ابداء المساعدة في الازمة لمنع استغلال تحركات نجليهما، وهذه المبادرة من طرف المندوب السامي كانت بسبب احترامه الشديد للمرجعين الكبيرين(هذا الاحترام تجلى بشكل واضح عندما قام الانكليز بنفي الامام الخالصي الكبير نفسه بعد هذا الرسالة بسبعة اشهر فقط(المترجم). وعدم رغبته بالتصرف الذي قد يسئ الى ابنيهما بل بادر الى سلوك متميز بحفظ كرامة وشرف مقام هذين العالمين الكبيرين ، وليس من الضروري ان نشير الى ان المجتهدين الجليلين قد أبدوا اعجابهم وتقديرهم للسلوك السلمي الراقي الذي اتبعه المفوض السامي البريطاني في العراق، وأبدوا رغبتهم بأن يذهب ابناهما الى سفرة ترويحية في ايران، وطلبوا كذلك من المندوب السامي ان يهيئ مقدمات السفر الضرورية لكي يغادر نجلاهما الارض العراقية في اليوم التالي، وقد استجاب المفوض السامي البريطاني للمجتهدين الكبيرين وهيأ الاجواء لسفر ابنيهما ولحضور عدد كبير من أصدقائهم والانصار معهم ساعة الوداع الى محطة القطار وبهذا يتضح لدولة رئيس الوزراء ان المفوض البريطاني كان يستجيب فقط لارادة والدي السيدين القادمين الى ايران، ولم يكن هناك أي قرار يتعلق بأبعادهما ونفيهما خارج العراق. وفي الحقيقة لم يتمكن الموظف البريطاني من اتخاذ اجراء اكثر مسالمة وملائمة من الاجراءات التي اتخذت، مع تقدير وأمتنان الى مقام العالمين المجتهدين الكبيرين اللذين سخرا مقامهما الكبير وتأثيرهما الابوي بصورة جميلة لحل الاشكالات الحاصلة. وهذه هي الحقائق الكاملة للقضية التي اثيرت في الصحافة والاعلام، وانا اشعر بسرور كبير لتمكني من ايصال هذه المعلومات لمقامكم الكبير. ولكي تطلع عليها الامة الايرانية الكريمة ، حتى لاتتأثر بالاشاعات التي تبثها جهات غير منصفة او نزيهة وتنشرها الصحف الايرانية، راجيا ان تأمروا بنشر هذه الرسالة المفعمة بالود، في الصحف العامة لاطلاع الناس عليها.
 
اغتنم هذه الفرصة لاجدد احتراماتي الكبيرة لمقامكم السامي.
 
                                                                    برسي لورين
 
وقبل ان نطلع على جواب آية الله محمد الخالصي(الابن) ، والذي كتبه ردا على هذه الرسالة، نجد من المفيد ان نطلع على مواقف المبعوث السياسي الايراني في بغداد حول اتفاقية العاشر من اكتوبر سنة 1922 المعقودة بين الانكليز والملك فيصل الاول.
 
القنصل العام في بغداد(منتخب الدولة)، كتب في تقرير مرسل الى وزارة الخارجية الايرانية ما يلي نصه(لقد تم الاعلان الآن عن المعاهدة المعقودة بين الانكليز والحكومة العراقية، والتي كانت قد عقدت بشكل سري وظلت في الكتمان بسبب الرفض الشعبي العام لها) وقد اشار في رسالته الى ان الاعتراضات التي جرت ضد المعاهدة لم تبق بلا مواجهة ومتابعة، فقد جوبهت الاعتراضات بغلق صحيفتين معارضتين هما(المفيد، والرافدين)، ونفي السيد محمد الصدر والشيخ محمد الخالصي(الابن) الى ايران. أما اليوم 27(خرداد) (10 اكتوبر) فقد تم الاعلان عن تلك المعاهدة السرية وطبعت في صحيفتي العراق وبغداد باللغتين العربية والانكليزية. وأشارت ان(المادة الوحيدة التي اضيفت تنص على انه لايحق للملك فيصل ان يقبل وجود أي ممثل اجنبي في العراق مالم يحظ بموافقة ألانكليز) واضاف ان فيصلا قد اصدر بيانا ايد فيه هذه المعاهدة، وطلب من المجلس النيابي ان يعترف بها بشكل رسمي. وكان منتخب الدولة(المبعوث الايراني) في العراق، يرى ان من واجب الحكومة الايرانية ان تعترض على هذه المعاهدة بشكل رسمي لأنها باعتقاده(تشكل ضررا كبيرا من الناحية المادية والمعنوية للدولة الايرانية, ومن هذه الاضرار أنها تمنع من شراء الاملاك في تلك الانحاء، وسيكون اغلب هذا الضرر موجها الى اتباع ايران، كما انها سترفع كل الحقوق التأريخية للدولة الايرانية في العتبات المقدسة، وعلى كل حال فان هذه الفقرة أدت الى غضب الجماهير بشكل عام خصوصا(حجج الاسلام) (لايصح ان ينظر الى اعتراضات المندوب الايراني على انها اشياء واقعية وانها سبب غضب الجماهير ومراجع الامة من المعاهدة، وانما السبب الحقيقي هو هيمنة بريطانيا على مقدرات الشعب العراقي ككل وسيطرتها على القرار السيادي للبلد)(المترجم).
السيد الخالصي ألابن(الشيخ محمد) كتب نص جوابه باللغة العربية، و أرسله الى صحيفة شفق سرخ(الأفق الأحمر) التي قامت بنشر النص بعد ترجمته دون زيادة او نقصان، سوى اضافة كلمة خائن بعد اسم وثوق الدولة رئيس وزراء ايران الذي وقع معادة 1919م الخيانية، وقد جوبهت هذه الزيادة باعتراض الشيخ الخالصي
 
من المقالات الواردة
حول مراسلات السفارة البريطانية
بقلم السيد الشيخ محمد الخالصي
السيد المدير:
في العدد 1225 من جريدة ايران ـ قرأت مقالة موقعة باسم برسي لورين والذي يبدو و كأنه سفير دولة الانكليز في البلاط الايراني وكانت الرسالة بنظري تخالف الكثير من الحقائق الواضحه امام انظار اهل العراق، ولهذا احببت ان اثبت ملاحظاتي النقديه حولها وان انشرها بواسطة نفس هذه الصحيفة المحترمة.
الرسالة المذكورة كانت مليئة بالتناقضات وخلط الاوراق، وهذا امر لايثير العجب، لأن هذه هي سياسية الانكليز، وفي بريطانيا صارت هي السياسة المتداولة والمعروفة، بحيث تكون تصريحاتهم و اقوالهم مستندة الى حفظ المصالح البريطانية ولا تستند باي حال من الاحوال الى الحقائق والقضايا المنطقية, ومصالحهم تلك هي التي يقدمونها على أي شيء آخر خلال اعمالهم وممارساتهم العسكرية والسياسية.
على كل حال، فان انتقادنا الى رسالة السفارة البريطانية يدور حول عدة امور:
 
1.كاتب هذه الرسالة يؤكد مراراً على تقديمنا الى الشعب الايراني باعتبارنا (ابناء اثنين من المجتهدين)، ويبدو انه يريد بذلك ان يقلل من شأننا وتصغير اعتبارنا عند الناس وقد اثبتت سجلات السياسة البريطانية الكثير من اشباه هذه الممارسات السوداء ضد الاسلام والمسلمين، فقد سعوا بشكل متواصل الى استصغارنا والاستخفاف بنا، وفي هذا السبيل سعوا مراراً الى ان ينصبوا من قبلهم رئيسا يسلطونه على رقاب المسلمين، قضية شريف مكة واستدراجه ليطمع بمنصب الخلافة واحدة من هذه القضايا، وفي العراق بذلوا جهودا كبيرة ليصنعوا مرجع تقليد للشيعة، ولتحقيق هذا الهدف بادروا الى اختيار السيد ابو القاسم الطباطبائي المشهور بـ (علاكة) وهو شخص مجهول ليكون هو المرجع الجديد، وقاموا بنشر رسالته العلمية بين الناس بواسطة دوائرهم المحلية، ولما وجدوا ان هذا العمل لم يحقق اهدافهم بادروا الى اختيار الشيخ عبد الكريم الزنجاني،فنشروا في صحيفة عمران وهي احدى صحفهم وتدار بواسطة شخص مسيحي مانصه، (ان الشخص الوحيد الممثل للمرجعية الشيعية بعد وفاة آية الله الشيرازي هو الشيخ عبد الكريم الزنجاني) وقد خرج هذان الشخصان من طريق الاسلام، واصبحوا اداة لتحقيق السياسة الانكليزية. ولم يحصلوا على أي شئ امام عامة الناس سوى الاستخفاف و السخرية. واذا اردنا ان نوضح التدخلات الانكليزية في الامور الدينية ووسائل تلاعبهم فان ذلك سيطول كثيراً، فمن الممكن ان نذكر تدخلهم في شؤون(الجامع الأزهر) في مصر والتغييرات التي احدثوها في برامجه الدراسية وممارساتهم لخدمة جواسيسهم وعملائهم، والتحكيم الظالم الذي نفذوه في فلسطين و تسليم بيت المقدس الى اليهود(يلاحظ بان هذه الرسالة كتبت قبل قيام إسرائيل بربع قرن تقريبا ولكنها اشارة الى الانحياز الاستعماري وما سيؤدي اليه خصوصاً وان وعد بلفور كان قريب العهد اذ صدر في سنة 1917م). (المترجم)، والسياسة التي اتبعوها اتجاه تركيا وتهييج عواطف اليونانيين من اجل احتلال مسجد آيا صوفيا وتحويله الى كنيسة، اضافة الى ذلك عقيدة رئيس وزرائهم  الشهير غلادستون  اتجاه الكعبة والقرآن، كل هذه الشواهد ستكون كافية لتحديد موقف الانكليز ضد الاسلام وتوضح السياسة التي اتخذتها هذه الدولة ضد المسلمين. والمضحك ان يسعى وزيرهم المفوض إلى تعيين الدرجات العلمية و ان يقدم علماء الشيعة إلى الإيرانيين، ولكن لحسن الحظ فان الايرانيين يعرفون بدقة من هم زعماؤهم الدينيون، ومواقعهم الدقيقة في المجتمع ولا يحتاجون الى رأي الوزير البريطاني المفوض.
2.كانت الرسالة، تشير الى ان اشاعة خبر نفي العلماء، يراد منه توتير علاقات المحبة بين الانكليز والامم الاسلامية وقد واجه المطلعون على الاوضاع السياسية هذه العبارة بابتسامة ساخرة، فالسفير الانكليزي يدعي الصداقة مع الامم الاسلامية خصوصاً الايرانيين، ولقد بذلت جهدي لكي اعثر على آثار هذه الصداقة في هذا الوجود، ومن خلال مراجعة اولية للدول الاسلامية وجدت ان اكثرها تئن من سلاسل العبودية التي فرضها الاستعمار البريطاني عليهم، فهل هذه هي معاني الصداقة؟ القسم الاكبر من رجالات المسلمين قتلوا أو شردوا في الدول الأجنبية بسبب السياسة الانكليزية، فهل هذه معاني الصداقة البريطانية؟
 اهانة معابد المسلمين وصرف اوقافها للحرب عليهم، هل هو جزء من صداقة بريطانيا وهل هذا هو معنى الصداقة عندهم؟
 وهل من منطلق الصداقة مع العالم الاسلامي، تحريك اليونانيين ودفعهم الى ارتكاب كل هذه المجازر؟
 وهل من الصداقة مع العالم الاسلامي تحويل آيا صوفيا الى كنيسة ومنع المسلمين من العودة الى اسطنبول؟
وهل الصداقة مع العالم الاسلامي اجبارهم على عقد اتفاقية (سور) المشؤومه والتي شكلت ضربة قاسية على قلب الامة الاسلامية ؟
 
 
 وهل خداع وثوق الدولة(الخائن)، وعقد اتفاقية عام 1919 معه كان بسبب صداقتهم مع العالم الاسلامي؟
وهل يشكل دفع (سميتقو) واراقة دماء الالاف من الايرانيين، وخلق سلسلة المجازر الدموية في آذربايجان مفهوم الصداقة الانكليزية؟ او قضية المجازر المهولة في منطقة بختياري.
 ام ان الاستيلاء على سواحل مراكش ومصر و قبرص و بعض جزر بحر ايجه وسواحل افريقيا الاسلامية وسواحل الجزيرة العربية وموانئ الخليج الفارسي وبلاد العراق و بلاد الهند البائسة يعطي ويحدد معنى الصداقة؟
 ام ان سب حضرة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب التي يروجها المبشرون والتي سموها باسم الهداية وهو نقيض لحقيقتها يعد صداقة مع العالم الاسلامي؟
 فاذا كانت هذه هي الصداقة بالمعنى الانكليزي، فان المسلمين ليسوا بحاجة الى مثل هذه الصداقة.
 3.ادعى الوزير المفوض اننا دفعنا الى موقف ضد الحكومة العراقية بتحريض بعض المغرضين، ولكننا نجيب بصراحة قاطعة، ان الحكومة البريطانية واجهة بغيضة في بلاد مابين النهرين، و اننا نسعى بكل جهدنا من اجل تحرير ارضنا المقدسة من ذلك الوجود البغيض.
ان هذا حق طبيعي تمارسه حتى الحيوانات التي تدافع عن اوكارها ولاتسمح لكائن غريب بالدخول اليها، والقرآن الكريم اعطانا هذا الحق بنص قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }النساء141 وقوله تعالى:  {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ }التوبة14 فمع وجود هذه الدوافع الطبيعية و الاوامر الدينية، كيف يدعي الوزير المفوض، سفير الانكليز اننا وضعنا اقدامنا في هذا الطريق بتحريض بعض المغرضين، في حالة اننا لم تكن لنا من الدوافع غير الاوامر الربانية والضمير الحي المتيقض.
 4. السيد الوزير المفوض تفضل بقوله ان المغرضين قد استفادوا من ضعف تجربتنا و قلة خبرتنا واستغلونا بذلك، ويبدو ان الانكليز يعدون كل من يدافع عن وطنه قليل خبرة، اذن اعطونا الحق بان نسمي الانكليز قليلي خبرة في السياسة الدولية.
فهل ان التجارب هي التي اعطت الحق للحكومة البريطانية الدخول في الحرب العالمية المدمرة الكارثية، وان تدفع كل دول العالم الى الهياج ضدها وان تستمر باتباع سياسة الغدر والخداع؟ فهل يتصور الانكليز بانهم سيتمكنون من الحكم المذل لكل هذه البلاد الواسعة باسم المستعمرات وان صرخات المظلومين لن تتمكن من كسر شوكتهم في النهاية. اظن ان الانكليز لن يكونوا راضين عن شخص ما، الا اذا باع لهم دينه و ضميره و شرفه و وطنه وكرامته وكل حقوقه الطبيعية والا سيعدونه انساناً بلا تجربة و من حسن الحظ انهم لن يجدوا في العراق مثل هؤلاء الناس.
 5.  يدعي الانكليز انهم كانوا يملكون الحق ان يبلغوا آباءنا بضرورة سفرنا الى خارج العراق وذلك لحفظ النظام. ولكن الحقيقة تؤكد ان حفظ النظام في العراق متوقف على خروجهم منه، فمادام الانكليز في العراق فلا يمكن ان يتوقع حصول الهدوء والسكينة، لان مواطني هذه الارض لا يمكنهم ان يشاهدوا ارضهم و هي محتلة من قبل هؤلاء الدخلاء.
 
6.  يدعي الوزير المفوض السفير الانكليزي ان خروجنا من العراق تم بعد محادثا

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter