العاطفة مظهر من مظاهر الروح

 
عالية محمد حسن

العاطفة التي هي لون من الوان النفس ، انما تنشأ من تفاعل الكهارب القائمة على الجوهر الفرد في نظامنا المادي ، الذي يقابل الشمس في نظامنا الوجودي ، ففي هذا الجوهر او هذه النواة التي تنتظم الكهارب الدائرة حولها ، حركة واشعاع فعن الحركة تنشأ الجاذبية فالحرارة فالحياة المادية القاصرة على النمو والتطور ، وعن الاشعاع ينشأ العقل فتتولد منه الفنون التي تتقوم بها الحياة الروحية القائمة على توجيه المادة وخلودها في عالم التكوين .

فكل كهرب يدور حول النواة مجذوبا اليها يحمل عنها صفتين اولاهما مادية وهي الحركة والحرارة ، وثانيتهما روحية وهي النظام والتوجيه ، والعواطف محمولة على الصفة الاولى ، وبها يشارك الانسان الحيوان ، اما النظام والتوجيه اللذان يتقومان بالعقل فيختص بها الانسان دون الحيوان ، ولعل الحيوان يختص بميزة في عالمه لا نشاركه فيها ولعلنا لا نقوى على اكنناه تلك الميزة ، ومهما يكن من امر فان الانسان ، في تحليل ذاته وتعليلها ، يستعصي كنهه على العقل الذي هو في حيز انسانيته ، واذا كان عقله في حيزها ، كان عاجزا عن تحليلها وتعليلها .

ان العواطف تتغذى بالايجاب والسلب مما تحس العين والاذن ، ومما يشعر وراءهما القلب ، فمن هذه المحسوسات ما هو موجب كاللون المحبوب لي مما ارى واسمع ، ومنها ما هو سالب كاللون المكروه ، فالاول ينمي عاطفة اللذة والثاني ينمي عاطفة الالم ، وكلا هذين قائم في صميم حياتي ا ذبهما تتقوم الحركة التي هي مصدر الحرارة ، والحرارة هي قوام تلك العواطف .

اما من يتصل بنا من حكمة او فن في نظم او نثر جرى على لسان مجنون او معتوه ممن عدموا العقل او كان ضعيفا فيهم ، فذلك شاذ والشاذ لا يقاس عليه .

ومن الظلم ان نطلق لفظ العاطفة على النفس في حالاتها هذه ونريد بهذا المعنى الجامع لها ، فالعاطفة تصدق على الحب والجوع والرحمة ، لانها تعطف صاحبها على ما يعوزه ويفتقر اليه ، واما الغضب والقسوة والخوف فمن الصعب ان نطلق عليها  لفظ العواطف ، وهي من قبيلها ، والاصح ان يطلق عليها لفظ النزوة او الوثبة لانها خفقة من خفقات الروح التي تتأثر بها وتنفعل تحت تأثير الحياة .

فالعواطف هي موجات في تيار النفس تتواثب وتتدافع ، وكما ان موج التيار المائي انما يحدث بأنفعال التيار ، هكذا نجد ان موج الروح يحدث بأنفعال الروح ، على انا ندرك انفعال التيار المائي بما يطغى عليه من تيار الهواء فيضطرب تحت عصفه ويعلوه زبد الموج ، ولكنا نجهل التيار الكوني الذي يعصف بتيار الروح فيضطرب فيعلوه زبد الموج على افواهنا حين الغضب ، وعلى اكبادنا اذ يعصف بها نزوان الحب ، ولعل ارواحنا المجزأة هذه ، والتي بأسرها ضغط المادة القائمة على هذا التكوين ، اقول : لعل هذه الارواح هي الموج الطافي على تيار الروح الكلي ، ولعل هذه العواطف هي الفقاقيع التي يتقوم بها ذلك الزبد العائم فوق الشفاة منا وعلى الاكباد .

تنفعل هذه الروح الجزئية في هذا الكيان البشري ، بما يمس انانيتها واستقلالها الجزئي فتثور وتثب وتضطرب تحت هذا الوطء النفسي فنسمي هذا الاضطراب او هذه الوثبة عاطفة ، ثم نصفها بالغضب او الخوف او الحب على ما يقتضيه اللون الذي تلبسه النفس وهي تثور وتصخب او تحن وتنزع ، او تلوذ وتضطرب ، على ان حيرة الفكر بين يدي هذه المعاني او هذه الالوان التي تعرض لجزيئات الروح ، ان هذه الحيرة تأخذ الفكر فيتساءل ؟ من اين تنبثق هذه المعاني ؟؟ وكيف تنبثق ؟؟ وما هو العالم الذي تصدر عنه ؟؟ وما هي العناصر التي تتلون بها ؟؟ وهل هي عارضة على الروح العام قبل ان يتجزأ في هذه الاجرام المادية ؟؟ وكيف تعرض له ؟ ثم اين مصدرها ؟؟

يا ليت فكر الانسان يتجه الى الكمال الانساني ليدرك هذا كله ، لاني اعتقد ، وكلي يقين ، في ان ما وراء الطبيعة لا يدرك الا بما وراء النفس ، وانما يكمن وراء النفس هذا الشيء الذي نسميه عقلا ، وهذا العقل انما يخنس وينكمش بين يدي هذه الغوامض لانه مزوي وراء النفس الطاغية عليه ، فاذا حرزناه ظفر بما نسميه  وحيا او الهاما ، وكان اقرب الى كشف ما وراء الطبيعة ، واخلق بان يجلو غوامض الحياة ، ذلك ما ظفر به الروحيون من انبياء وحكماء ، وأخفقنا في السعي وراءه ونحن عبيد الشهوات .

فالعقل هو الصلة الاولى بيننا وبين الحق في الكون ، والحق هو الميزان الذي يتقوم به الكون ، والكون هو الاثر الاعظم الذي يشير بما فيه من بدع ، الى وجود نشعر به في نفوسنا ثم لا نقوى على تحليل كنهه او تعليله ، هذا الوجود القائم في صميم الكون الاعظم الذي يحار العقل في ادراك ما يصدر عنه وما ينتهي اليه ، هذا الوجود الواجب الوجود الذي نخشع بين يديه ولا نجرأ على القول بزواله وهو ازلي نتعلل به ونستحيل فيه .

واذا كانت الانانية مصدر هذه العواطف ، كان الابداع في الفنون التي هي وليدة هذه النزوات ، لازما لتلك الانانية وكان الفن المطلق لونا من الوان الروح العام ، ثم كانت هذه الفنون بين ايدينا الوانا تتشكل بها جزئيات الروح المنبثة في عالم المادة ، فكل فن جزئي هو لون يمتاز به جزئي الروح في كياني عن جزئي آخر في كيانك ، وكل فن نوعي هو لون يمتاز به نوعي الروح في كياني وكيانك عن نوعي آخر في كيان غيرنا من انواع الخلق ، وهكذا نصعد الى الفن العام الذي هو لون اول في هذا الكون تنبثق عنه الوان الوجود الدنيا .

فالفنون التي تتقوم بنا ونحيا بها ، انما تعلو وتهبط ، وتتقدم وتتقهقر ، وتفيض وتغيض ، انما تكون هذه الفنون كذلك بسمو العواطف وانحدارها وتقدمها وتقهقرها ، والعواطف التي نتقوم بها وتحيا بنا انما تقوي وتضعف ، وتشرف وتخمل ، وتسمو وتنحدر ، اقول : انما تكون هذه العواطف كذلك بقوة الانانية وضعفها وبشرفها وخمولها ،  فما هي هذه الانانية اذن ؟؟

الانانية في كل كائن جزئي ، هي شعور هذا الكائن بذاته المستقلة ، وطموحه الى صيانة هذا الاستقلال ، ثم حرصه على بقائه قويا في نوعه محتفظا باستقلاله ، فهي اذن عاطفة ولكنها ام العواطف ، ولعلها الى النوعية اقرب منها الى الفردية ، فهي ، في كل نوع من هذه الكائنات حية وغير حية ، نواة اولى في تأريث الحرارة القائمة على انفعال النفس وتأثرها بالروح العام

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter