الطريق الى تل المطران ام الى ماكوندو ؟

حسن النواب

 

على الرغم من مرور خمس سنوات على نشر الروائي علي بدر لروايته الطريق الى تل المطران ، لكن هذه الرواية لم تقع بيدي الا قبل ايام وقد قرأتها والدهشة تستوطن افكاري ازاء هذا الروائي الذي اصدر روايات اخرى ويؤسفني ان الظروف لم تسمح لي الا بقراءة هذه الرواية اخيرا من كل ما كتبه ، ذلك ان علي بدر بشاربيه المعقوفين الى اعلى ، عندما كنت اراه يجلس في مقهى مجاورة الى جريدة الجمهورية بصحبة اصدقائه حيدر سعيد وقاسم محمد عباس وعبد الزهرة زكي ويحيى الكبيسي كنت اظن صراحة ان هذا الرجل يحاول ان يجد له علاقة ود تربطه مع الأدباء حتى يشعر بوجوده ، ولم اكن اتوقع انه يمتلك هذه الموهبة في التدوين السردي والقدرة على انجاز رواية بهذه المواصفات ، اذ كنت طوال قراءتي لصفحات الرواية افكر ببسؤال واحد فقط الا وهو : هل من المعقول ان هذا البدر تخرج منه كل هذه التجليات التي تدع القارىء يلهث وراء سطوره في هذه الرواية ؟ والتي اظن ان براعة السرد في متنها بحاجة الى وقفة تأمل طويلة ، ولعل هناك الكثير من الذين اثارتهم هذه الرواية وكتبوا عنها ، وهي رواية تستحق الإنتباهة الحريصة على يراع يتمتع بمخيال ساحر ولعين في ذات الوقت ، ولست بصدد شرح ثيمة الرواية فهناك من سبقني وتحدث عنها ، لكن لابد من الإشارة الى ان ماتنشده احداثها في خطابها للقارىء بحاجة الى وقفة تأمل نبيلة ، وربما هي المرة الإولى التي اجد روائيا بعمره في ارض السواد يمتلك هذا المخزون الثر من السرد برغم ان هناك بعض الهنات التي كان بمقدوره ان يتجاوزها ، وربما تنبه لها وتم تعديلها في طبعته الثانية لهذه الرواية وهذا ما اتمناه ، فأحيانا تجد الروائي نتيجة زخم الأحداث وطول الرواية يقع اثناء التدوين بالركاكة لبعض الجمل والتكرار بإستخدام ادوات العطف والأفعال الناقصة للحد الذي يدعك تتألم من وجودها بهذه الصيغة السيئة في متن هذا النص الذي يشي عن موهبة روائية لايمكن من اغفال جهدها بكل الأحوال ، وبرغم ان الرواية تنهل بشكل واضح من الواقعية السحرية التي جاءت لنا عبر ماركيز ومن خلال قرية ماكوندو في روايته الذائعة الصيت مائة عام من العزلة ، ولكن تبقى لتل المطران فضيلة متميزة ذلك ان جغرافيته تمتلك مواصفات عراقية خالصة ومثيلوجيا تنطلق بافكارها من السريانية المحلية ، وشعرت ان علي بدر كان يكتب بهذه الرواية تحت هاجس التفرد وكاد ان ينال منه وحتى الظفر به لولا النهاية الرتيبة التي حطمت معالم واركان كل ما صرف عليه الجهد في بناء هذه الرواية الممتعة حين اخبرنا ان ما حدث له كان حلما او هكذا خيل له ، وبذلك اطلق رصاصة الرحمة على روايته بيده ، وكان بوسعه ان يدع هذا الإيهام الذي تفاعل مع القارىء وحتى صدّقه يستمر حتى نهاية المطاف ، لقد اسس مدينة مثيرة بأحداثها ونجح من اقناعنا بتفاصيلها لكنه في لحظة طيش بدد فجأة كل ما صنعه من سحر هيمن على عقولنا ، ولعل مشهد الفتاة السريانية شاميران مع الرابي والذي هو صوت الرواي لايمكن ان ينسى بسهولة ، ذلك المشهد السحري الذي يجمع بينهما على كوم من الذهب بعد ان تعثر عشيقته على كنز اليزيديين في قصر جدها وتدلق ليرات الذهب وتجلس عليها ثم تدعوه الى مواقعتها على بساط من الليرات الذهبية ، اجل لقد تجلى بهذا المشهد سحرية عالية تكتنفه واقعية لذيذة ومنعشة !! ويمكن للقارىء ان يصدقها لكن الذي حدث بعدها ، ان تلك العشيقة تخدعه وتتخلى عن كلمتها بعد ان تدعه يتورط بقتل خوشابا الشاعر الفاشل الذي يمسك بزمام ضيعة تل مطران ” الروائي يسميها بيعة ؟؟ ” بعد موت القاشا عيسى اليسوعي ، وخوشابا ذلك الكائن الغريب يسعى الى خداع المدينة بظهور المنقذ مرة اخرى ، لقد احال علي بدر تلك الرواية التي كتبها بحبر السحر الى واقعة درامية فجة في اوراقها الأخيرة ، وكان بوسعه ان يدع تل المطران يسطع بالألغاز حتى النهاية وربما كان في ذلك يفسح له درب الرؤيا للإستمرار بكتابة جزء آخر من هذه الرواية التي لاتنتهي بسحرها ، ولا ادري اية قوة ماكرة وحسود خدعته واوهمته بإطلاق رصاصة مباغتة على جسد الرواية الذي مازال يضج بالكثير من التفاصيل والوقائع المثيرة ، احيانا كنت ارى من خلال وصفه لمعالم تل المطران اني اتجول في منطقة الصدرية في بغداد ، وفي احايين كثيرة كنت ارى مدينة لم ار مثل مواصفاتها من قبل ، وليس هذا فحسب انما شخوص الرواية تدعك تتفاعل معها وتتعاطف مع بعضها ، المومس فريدة ، تيمور، ادوار الحلاّق، الحوذي محمد ، بياتريس الأرمنية، ما وستا، ليليان، ايلين زوما، وردة خوشابا، صافيناز اوغلو، ، جولي التي ذكرتني بإمرأة لعوب كان يحبها زوربا ، وشخصية يوسف خوري التي لايمكن للذاكرة من نسيانها بسهوله وهو يمارس سحره المخيف مع الآخرين للحد الذي يدع الرابي يمضغ كسرة خبز عليها دم حيض للفتاة الملائكية والمذهلة الجمال شاميران حتى لا تقتله فيما بعد ؟ ولعل شخصية شاميران بوصف الروائي لها تدعنا نحلم في كل ليلة بإنوثتها الفردوسية عسى تزورنا الى فراشنا ونتذوق عسلها المستحيل ، وربما هناك من يقول ان الطريق الى تل المطران كان يشبه الطريق الى قرية ماكوندو فأقول له لكننا شممنا رائحة البلاد في شارع النبي دانيال وفي الكنيسة وفي سوق المدينة وفندقها الذي سكنه الرابي بل ان البلاد كانت حاضرة بقوة لحظة خروج مواكب الفتيان في الشوارع وهم يحملون البيارق والشموع والسكاكين بنصالها الصغيرة  وكان لها وقع السحر بأزياء اناس تلك المدينة ،  اخيرا اقول لعلي بدر .. لقد ظلمتك في خاطري كثيرا وبلا رحمة عندما كنت التقيك من قبل ولم تكن لدي اية رغبة للحديث معك وذلك لتصوري انك مجرد غاو للأدب ولكني الآن امد يدي لمصافحة قلمك الذي ترك في مجاهيل روحي صورة مدهشة عنك بت احترمها الى امد بعيد .

 

بيرث

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter