الشيخ محمد بحر العلوم والكويت يطالبان قوات الاحتلال بعدم مغادرة العراق

أظهرت برقيات صادرة عن السفارة   الأميركية في الكويت كشفها موقع “ويكيليكس”، أنّ المسؤولين الكويتيين استغلوا لقاءاتهم مع الدبلوماسيين الأميركيين للتحريض على استمرار الحرب على العراقوتظهر البرقيات تواطؤ بعض المعارضين العراقيين انذاك مع الأميركيين، ومنهم المرجع الديني محمد بحر العلوم
وتشير برقية مؤرخة في 5 نيسان 2003 إلى نقاش دار بين وزير الخارجية الكويتي محمد صباح سالم الصباح مع السفير الأميركي آنذاك ريتشارد جونز (الذي كان سفيراً في لبنان في التسعينيات) في 2 نيسانويتناول النقاش تطوّر الحرب على العراق، ورحلة الوزير (الخارجية) المقبلة إلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن وفي الأمم المتحدة. فهو سيزور بكين، موسكو، باريس، لندن، واشنطن ونيويورك (الأمم المتحدة)، برلين، ومدريد وروما لتفسير “الحرب من وجهة نظر كويتية”، والطلب من الحكومات شجب الاعتداءات العراقية على الكويت، ومساندة الشعب لا النظام في العراق. وأوضح الصباح أنّه سيناقش في الولايات المتحدة “عراق ما بعد صدام”، ومصلحة الكويت في المشاركة في إعادة الإعمار وإيصال صوت المعارضة العراقية التي أعلنت للحكومة الكويتية رغبتها في أداء دور أكبر في تحرير العراق. ويضيف الصباح أنّه خلال الزيارة سيشكر الولايات المتحدة على تحرير الكويت من الطغيان، وعلى إزاحة صدام حسين. وقال: “الأشخاص الذين يخضعون للاحتلال هم فقط من يفهمون ذلك، يجب أن يسمع الناس ذلك“.
وحين طلب السفير جونز من الوزير التزاماً بإعادة بناء العراق، قال الصباح إنّ بلاد الرافدين غنية بالموارد، وبالتالي الطريقة الأفضل لمساعدتها هي في القروض والاستثمار، عوض المنح والمساعدات.
وتشير الوثيقة إلى أنّ الحديث بين جونز والصباح، وهو وزير الخارجية الكويتي الحالي ونائب لرئيس الوزراء، تطرق إلى سبل منع قضية العراق من التداول في أي هيئة أخرى غير مجلس الأمن في الأمم المتحدة. وتناول الوزير مشكلات الكويت في ما يتعلق بالجهود الألمانية لعرقلة عمل لجنة التعوضيات في الأمم المتحدة. ويظن الصباح أنّ فرنسا وروسيا، اللتين توافقان على تأجيل الدفع تريدان تعويض الشركات الفرنسية والألمانية. السفير وافق الصباح على ذلك، ونصحه بالاتصال ببعثة الكويت في جنيف لتعترض على أيّ محاولة لإيقاف دفعات شهر نيسان. واقترح السفير على الصباح أن تستخدم قوات درع الجزيرة لتوزيع المساعدات الإنسانية في العراق.
وفي رد على سؤال للصباح، قال السفير إنّ سوريا لا تزال لا تساعد الجهود الأميركية في العراق، فهي تسمح للسفارة العراقية في دمشق بتجنيد مقاتلين من أجل صدام، وتشحن معدات عسكرية عبر الحدود. الصباح، من جهته، قال إنّ السفير الكويتي في دمشق لاحظ زيادة السيارات الثمينة التي تحمل لوحات تسجيل عراقية في المدينة، ومعظمها يتجه إلى لبنان. كذلك، أغلقت مستشفيات بعض أقسامها ووضعتها في تصرف الشخصيات المهمة. وأجاب السفير عن سؤال للصباح بأنّ الحرب الجوية تدار من قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، لكن الهجمات الجوية لا تنطلق من الأراضي السعودية.
وينهي السفير البرقية بتأكيده أنّه كما كرر دوماً، إنّ الكويتيين “يقفون وراءنا بحزم، ويتحدّون بنحو متزايد الإدانة من باقي العالم العربي“.
وتشير برقية أخرى بتاريخ 29 تموز 2003 إلى أنّ الكويت تُسهم في نفقات الحرب عبر تمويل القوات “الفقيرة”. هكذا، يتضح أنّ بعض المشاركات الدولية في الحرب على العراق كانت شكلية، ترسل هذه الدول جنودها وقواتها إلى العراق، وتدفع دول النفط الفاتورة. ففي هذه البرقية، يطلب السفير توضيحات عن موضوع التمويل من وزير الخارجية أيضاً، الشيخ محمد الصباح، فيقول الأخير إنّ حكومته وافقت، بالمبدأ، على تمويل القوات البولندية، ما دامت دول أخرى ستتحمل معها العبء. وأضاف أنّ رئيس الوزراء، في ذلك الحين، الشيخ صباح الأحمد الصباح أعطى موافقته الشفهية لوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد. وأضاف أنّ الحكومة لا تزال تقرر شكل مساهمتها، فهي ستكون عبر توفير الطعام أو التنقلات، أو الاثنين معاً. وقال إنّه يمكن أن تكون المساعدة في مجالات أخرى أيضاً.
كما تشير برقية تعود ليوم 14 تشرين الأول 2003 إلى تردّد السعودية في الإسهام بمؤتمر مدريد للمانحين. وتنقل البرقية زيارة النائب الأول لمساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، جيمس لاروكو، لمدير مكتب الأمن الوطني الكويتي الشيخ صباح الخالد الحمد (منصب وزاري) الذي تطلب برقيات عدّة حمايته، بما أنّه مصدر مهم للبعثة الأميركية. وقال الحمد إنّ السعودية تراجعت عن تعهدها بتقديم تمويل في مؤتمر مدريد للمانحين بسبب عدم وجود قرار من مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وعدم وجود قيادة عراقية شرعية. وقال الحمد إنّ الكويت تخاف من أن يؤدي ذلك إلى إيذاء مجلس التعاون الخليجي والعراق. وقال إنّ رئيس الوزراء الكويتي الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أعطى أوامر، بعد لقائه بالرئيس الأميركي جورج بوش في 10 أيلول، بمساندة مجلس الحكم العراقي، حتى إنه التقى أحمد الجلبي “في خطوة غريبة” في نيويورك. والتقت الحكومة عبد العزيز الحكيم في 12 تشرين الأولودعا الأحمد الحكومة الأميركية إلى الضغط على السعوديين بشدة لتغيير موقفهم. وقال إنّ المقاربة الأفضل هي الحديث مباشرة مع ولي العهد (آنذاك) الأمير عبد الله، على أعلى المستويات.
ومن أهم البرقيات التي تعود لعام الاجتياح (2003) هي تلك التي تنقل تفاصيل لقاء عقد بين المرجع الديني العراقي السيد محمد بحر العلوم، الذي كان يزور الكويت للمشاركة في نشاطات رمضانية، بالسفير جونز. وتقول البرقية المؤرخة في 10 تشرين الثاني 2003 إنّ اللقاء عقد بناءً على طلب من بحر العلوم. وقال بحر العلوم إنّ رئيس الوزراء الكويتي حثه مراراً على الحديث بصراحة مع السفير الأميركي بسبب ثقافته ورؤيته، ولأنه سينتقل إلى العراق قريباً (جونز كان بين تشرين الثاني 2003 وحزيران 2004 مسؤول السياسات الأول ونائب سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق، مع استمراره في منصبه في الكويت).  وشدد بحر العلوم على أنّ “من المهم جداً لنا أن تنجح الولايات المتحدة في العراق”، وأشاد بالحاكم الأميركي للعراق بول بريمر “الصديق الجيد الذي يحترمه”. وتحدث كذلك عن تحسن الأمن الشخصي في العراق بنسبة 75 في المئة، لكن تستمر مشكلة الأمن السياسي “التي تصيبنا وتصيبكم”. وقال إنّ مجموعات عدّة تقف وراء هذه الاعتداءات، منها مناصرو صدام والقاعدة ودول مجاورة تشعر بالخطر من الوجود الأميركي في العراق، أهمها إيران وسوريا والسعودية. ورأى بحر العلوم أنّ مقتدى الصدر هو “لا شيء”، ولا يمكن اعتباره سلطة دينية، لكن يستخدمه أشخاص يريدون تقويض التحالف. وقال إنّ السلطات الدينية تبقي الوضع في الجنوب تحت السيطرة، واتهم جهات خارجية باغتيال محمد باقر الحكيم. وشدد بحر العلوم على عدم رغبته في رؤية الولايات المتحدة تتسرع بالرحيل من بلاد الرافدين. وقال إنّه آمن لفترة طويلة بأنّ الولايات المتحدة هيالوحيدة التي تستطيع إنقاذنا من صدام”، وقال ذلك للإيرانيين. وتعهد بتعليم الأجيال المقبلة أنّ “أميركا حررت العراق”. وحثّ بحر العلوم على تخفيف الضغط الأميركي عن إيران وسوريا والسعودية، حتى يتحقق استقرار العراق. ولمّح، وفق السفير، إلى تدخل الدول الثلاث في العراق، لإبقاء القوات الأميركية مشغولة. وطلب “إعطاء الانطباع بأنّ العراقيين يحكمون أنفسهم”، وإبقاء الوجود الأميركي “في الكواليس“.

وطالب بحر العلوم باحترام العراقيين أكثر، عبر منع الإعلام من تصوير طوابير المتقاعدين الذين ينتظرون قبض رواتبهم، ومحاولة عدم خلع الأبواب أثناء تفتيش المنازل. وطلب الأخذ في الاعتبار أنّ العراقيين يتظاهرون لأنّهم يستطيعون، فهم أحرار للمرة الأولى منذ 35 عاماً، في تلميح إلى أنّهم يتظاهرون لأجل التظاهر، لا بسبب مطالب محقة. واشتكى من أن الكويت هي الدولة الوحيدة الصديقة من بين جيران العراق، ومن أنّ إيران وتركيا لن تساندا العراق أبداً. وحين قال جونز إنّه سيحاول أن يقابل أكبر عدد من العراقيين في زيارته التي ستبدأ قبل نهاية شهر رمضان، وأنّه سيؤكد لهم أنّ أميركا لا تنوي أن تطيل بقاءها في البلاد، قاطعه بحر العلوم معترضاً، وطلب منه ألا يتحدث في موضوع رحيل القوات.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter