الرسالة التاريخية التي بعث بها الإمام المجاهد الشيخ محمد الخالصي من منفاه ايران الى الملك غازي الأول بمناسبة تتويجه ملكاً على العراق إياك أن تغرك الدنيا كما غرت اباك وجدك ومن كان قبلك من أهل الهوى، فإنّ ظلها زائل، وذكرها خامل

إن أخوف ما أتخوفه عليك غدر حلفاء أبيك وجدّك، وخلفهم لوعدك ونقضهم لعهدك، فالحذر الحذر من خداعهم وغدرهم

 

من حق الرعية على السلطان ان يكون على عمارة البلاد وإستصلاح الأحوال أحرص منه على جباية الأموال

 

في عام 1933م، عندما كان الإمام المجاهد الشيخ محمد الخالصي في منفاه بمدينة نهاوند الإيرانية، يعاني من قسوة المنفى، وتسلّط حكام الجور وعملاء الإنكليز على مقاليد الحكم في البلاد الإسلامية، وتتناقله الأيام من منفى الى منفى، ومن سجن الى آخر في ايران، بعد أن نفاه اليها ((فيصل الأول)) عام 1922م بأمر من أسياده الانكليز ومضى عليه فيها أحد عشر عاماً، بلغه نبأ وفاة الملك فيصل الأول، وتتويج ابنه «غازي» ملكاً على العراق، فكتب اليه كتاباً يعِظه وينصحه فيه بتطبيق الإسلام، ويحذّره من السير على خطى والده فيصل وجدّه الشريف حسين.
وقد آثرت (الصحيفة العربية) وبالاعتماد على ((مركز وثائق الإمام الخالصي)) نشر نصّ الرسالة نقلاً عن مذكرات الإمام الخالصي ((في سبيل الله)) (النسخة الخطية ص 723-728) لما فيها من عِبر وإنارة درب، عسى أن يرتدع الحكام المسلمون لا سيما حكام العراق، وليتعلّم علماء الإسلام من إمامنا الراحل الحرص على إسداء النصح والعمل بالواجب الشرعي في أحلك الظروف، وإظهار علمهم كما أمرهم الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله وصحبه المنتجبين.
ومِن عبَر الزمان وآيات الله؛ أنّ الجلادين الذين نفوا واضطهدوا وسجنوا إمامنا الراحل وعذّبوه ليشربوا عذب المنهل، من أمثال فيصل الأول ورضا شاه طاغية ايران وأعوانهم من رؤساء حكومات ووزراء وغيرهم، قد هلكوا في حياة الإمام الخالصي، ذلك ليُعلَم ((ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقاً ولا يقرّب أجلاً))، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله، او ((لا يقربان من أجل ولا يُنقصان من رزق)) كما ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
واليك نص الرسالة:

الى جلالة الملك المبجل السلطان غازي الأول إبن الملك فيصل أدام الله سلطنته بالعدل.
من محمد بن محمد مهدي الكاظمي الخالصي عُفي عنهما.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:ـ فإني ليحزنني أن أراني لك معزّياً. وعما أصابك مسلّياً. ويسرّني أن أقف موقف من تناسى المصيبة بالعزاء. وصبر على ما نزل من البلاء. قائلاً: لك البقاء. وللأمة الهناء. شباب من آل هاشم. تمكن من مُلك العراق. وفرع من دوحة المكارم. ضرب ظله على الآفاق. لم يسبق بشقّ عصا طاعة. ولم يصدع صفا جماعة. لم يشن على المسلمين غارة. ولم يعط عهودهم يداً غدّارة. قيّضَ الله له المُلك في شرخ شبابه. وأنعم عليه بجزيل ثوابه. وآمنه من شرّ عقابه. وحفظه من أليم عذابه. وهذه هي السعادة الكبرى، والنعمة الوافية العظمى. وشُكر هذه النعمة الجليلة. أن يُثابر مَلِكنا الشاب على طلب مرضاة المُنعِم جلّ شأنه بإسداء الأيادي الجميلة الى خلقه، والحرص على نيل جزيل الأجر وعظيم الثواب. فإن من حق الرعية على السلطان أن يذيقهم حلاوة عدله، ويسدد أمورهم بحزمه ونُبله، ويرد الغضب بالرحمة، ويجمع بالعطف والحنان شمل الأمة، ويصدّ عنها عادية أهل الشرور، ويكفيها شرّهم بتسديد الثغور. ويكون على عمارة البلاد وإستصلاح الأحوال أحرص منه على جباية الأموال. ويُعلِّم الجاهلين، ويرأف بالفقراء والمساكين، ويهدي الضالّين، ويدرك الملهوفين. وبهذا يحصل شكر المنعم عظمت آلاؤه فيما أنعم، ووفاء بقوله عز سلطانه (( لئن شَکَرْتُمْ لأَزِيدَنَّکُمْ)) تَدين للمَلِك الشاكر الأمم، وإلاّ فإن عذاب الله شديد. وهو القادر على تغيير ما يكره وإذلال كل جبار عنيد. ولن تشكرَ الله جلّ شأنه إلاّ إذا إتخذتَ الإسلام شعارك، والدين دِثارك. فالإسلام هو أتم النظام وأشمل الهدي للأنام، وأرغد العيش بما فيه من مصالح الأحكام. لا تساويه شريعة ولا يماثله قانون عام. وهو دين الله الذي أيده، وحصنه الحصين الذي شيّده، وهو السعادة الكبرى. والنعمة الشاملة في الأولى والأخرى. لم يعوزه إلاّ عدم إنتشار أحكامه، وجهل البشر بحلاله وحرامه. فإذا أردتَ العزَّ والسلطان بغير جنود ولا أعوان، فكن حاملَ لوائه؛ ينصرك الله على أعدائه. وفاءً بقوله جلّ شأنه: ((وَکَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)). وقوله عز سلطانه: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)). ولا يخدعنّك أعداء الإسلام، لجهلهم بما حلّ من غوامض العلوم وأتقن من مصالح الأحكام، كما خَدعوا من كان قبلك من أهل الشطط والهوى والزيغ والخطل، وأغروهم بجهلهم، والمرء عدوّ لِما جهِل. ولا يهولنّك إن أنشَبَت تلك الوحوش الضارية مخالبها في جسم الإسلام ونهشته كلابهم العاوية. فالإسلام دين الله القويم، وصراطه المستقيم. ويوشك أن تدينَ الله به كل الأمم، ويشرق بنوره جميع العالم. وإن ما آتاه الله البشر من العلم بما فيه من المكتشفات، والحاجة الشديدة الى الأنظمة والقوانين المحكمات، عاملان قويّان يسوقان جميع الأنام طوعاً ورغبة الى دين الله وهو الإسلام. ولابد أن يظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون؛ ((وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ کَرِهَ الْکَافِرُونَ)). ((وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن کُنتُم مُّؤْمِنِينَ)). وعداً من الله ومن أصدق من الله وعداً والعاقبة للمتقين، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين.
وإني إذ دعوتك بدعاية الإسلام، في غنىً عن ذكر ما تحتاج إليه سياسة الملك من الأحكام، فإن الإسلام كل ذلك، وفي أحكامه ما يحفظ ويسدد ويسعد كل مالك. فهو النظام والأمن والإدارة والإقتصاد. وهو المشاغل والتجارة والعمران والزراعة والقضاء والحرب والجهاد. وهو السلاح والقوة والنشاط والصحة والعِلم والصلاح والسداد. وهو العدل والإحسان ومعالي الأخلاق والهدى والرشاد. وهو كل ما يحتاج إليه البشر من أمور المعاش والمعاد. ويُقام عليه أساس المُلك ويضمن السعادة للعباد، ويكون فيه إعمار الممالك والبلاد؛ الإسلام فإتّبعه تسعَد. وإسترشد بنوره ترشد.
وإن أخوف ما أتخوفه عليك غدر حلفاء أبيك وجدّك، وخلفهم لوعدك ونقضهم لعهدك، فالحذر الحذر من خداعهم وغدرهم. وقاكَ الله والمؤمنين من مكرهم، وحفظك والمسلمين من شرهم. وإياك أن تغرك الدنيا. كما غرت من كان قبلك من أهل الهوى. فإنّ ظلها زائل، وذكرها خامل. وقد سبقك إليها أبوك وجدُّك، فليسبقهما الى السعادة حزمك وجَدك. ولئن نالا من المُلك مأثماً ومغرَماً، فإسع سعيك لتنال منه مغنماً. وليكن لك فيهما خير معتبَر فإنما يتذكر من تذكّر، والعاقل من إعتبر بغيره، والأحمق من إعتبر به غيره في شرّه دون خيره. وحسبك عبرة ما كان من الفقيد الراحل. أفَتراه تزوّد لآخرته مما كان له من النعيم الزائل، أو نفعه ملك أو مال، أو حماه سلطان أو جلال. لم تقرّ عينه في مثواه إلاّ بما كان له في الدنيا من الحسنات، ولم يحزنه ويضرّه في أُخراه إلاّ ما إقترفه في الأولى من السيئات. وهو يرِد لو كان إستزاد من حسناته، ولم يقترف شيئاً من سيئاته، نادم على ما كان منه فيها ولا ينفع الندم. أوحش ما يوحشه ويؤذيه ما كان منه في الدنيا من مَغرم ومأثَم. فَارْبَأ بنفسك أن يكون ما يوجب ندمك وعذابك ووحشتك في لحدك، أكثر مما تقرّ به عينك مما ينفعك في غدك، فإن الدنيا لا تُبقي على أحد ولا تذر، وتبيد مَن تقدَّم ومن تأخر. ولا ينفع إلاّ صالح العمل والعدل والإحسان بين العباد، والتزود بالتقوى فإنها خير الزاد ليوم المعاد.
ولستُ بذاكر ما كان بيننا وبين أبيك من وعود أخلفها، وعهود ومواثيق نقضها. فقد مضى الى ربه وعليه حسابه، وسيناله منه عقابه أو ثوابه. ولستَ ترى مِن ذلك نفعاً ولا ضرّاً، ((وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)). وإنما عليك أن لا تنسى تلك الدماء التي سُفِكت في سبيل الإستقلال، وأن تفكر دائماً في أن أرواح الشهداء ترقب أعمالك بالغدو والآصال، وأن تعلم إن ربك لبالمرصاد، وإنه لا بدّ من الجزاء يوم المعاد. وأن تجعل نصب عينيك اليوم الذي خُتمت به أيام أبيك، وترقب مثله فانه لاشكّ لاقيك، وتفكّر فيه مادمت حيّاً، وتطلب من مأزقه مخرجاً وحِيَّاً.
هذه نصيحتي أقدّمها إليك، فإن أرضَتك وسرَّتك نفعَتك. وإن أغضبَتك وأسخطَتك صارت تبِعة مخالفتها عليك، وأودَت بك وصرعَتك. ولا تظننّ إني أطلب منك أن تحلّ عني وعن أهلي عقالاً، ولا أن تردَّ علينا مالاً! فإني قد إستعذبت التعذيب في الله، ولا أرضى به بدلاً في سواه. والشدة في سبيله أولى من الفرج في سبيل أعدائه. وأضْيَق الضِّيق خيرٌ من حَسن المَخرج، إلاّ في رضائه. فهنيئاً لي التبعيد والنفي والإغتراب والتجوّل في البلدان. وهنيئاً لك زهرةَ المُلك – لو كانت- وعزة السلطان. وإنما أدعوك الى الخير لك في إتّباع أثر الإسلام، فإن فيه صلاحك وصلاح الأمة والسعادة والسلام. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل.
نهاوند – غرة جمادى الثانية سنة 1352
الراجي محمد بن محمد مهدي الكاظمي الخالصي عُفي عنهما

كتبتُ إليه هذا الكتاب وأنا أعلم أنه لا ينجع ولا ينفع، ولكن إنما على العالم أن يُظهر علمه ومن لم يفعل فعليه لعنة الله. وأنى لغازي العمل بهذا الكتاب واليد الإنكليزية هي التي تصرفه وتدبّره ولا تكف عنه حتى تُهلِكه؟ ولا شك إنه عاجز حتى عن أداء الجواب لأن إذن الإنكليز شرط في جميع أعماله وهم لا يأذنون له وسيكشف الآتي عما قلت الآن.

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter