الرسالة الانسانية


عالية محمد حسن

ان من يحاول احتكار وتحصين الحياة السامية في نفسه دون اخيه ، يستخدم كل ما فيه من قوة لتعزيز نفسه وتحصين كيانه ، اذ تتظاهر ، من وراء ذلك ، على تعضيد قواه وتنميتها ، جل العواطف المثيرة للنفس ، كالحسد والبغض والطموح البالغ والخوف ، ونحو ذلك مما يطمعه في غيره واحتكارها في نفسه ، وهذا منتهى الاعتداد بالنفس ، وليس من العبث ان نقرأ في آثار اولي الحكمة والفن قولهم : من لم يكن ذئباً اكلته الذئاب ومن لم يظلم الناس يظلم ..
لانرى في العالم عملاً عبقرياً ، علمياً كان او فنياً ، مدنياً ، قام على غير انانيته في ذات القائم به ، فالزعيم الديني يستحل دم المنافس له في هذه الزعامة ، والزعيم السياسي يضحي بأمته جمعاء بين يدي زعامته وفي سبيل تأييد هذه الزعامة ، وهكذا نجد الحسد اضرى ما يكون في نفوس العلماء وذوي الفن من عباقرة الامم.
اقول : اذا خاطبهم بذلك فانما الانانية فيه ، وهكذا نجد ان الزعيم السياسي يملأ قلوب رعيته بمثل هذا التواضع فيطلق على نفسه لقب خادم الامة ، والمسؤول عنها قبل ان يكون مسؤولاًعن نفسه ، والساهر على مصالحها سهراً يدمي جفونه ويقص مضجعه ، حتى اذا شعر بان واحداً من رعيته ينازعه هذه السيادة ، تربص به الدوائر فأستحل دمه ، ولعل هذا الذي يفتك به اجدر منه بالزعامة ، واخلق منه الاستبعاد.
فعلى مقدار ما تتوفر لديك عوامل الثورة في النفس ، لديك العواطف ، وعلى مقدار توفر هذه العواطف تنتفض جوارحك وتتوتر اعصابك ، وعلى حدة هذا التوتر يقوم جهاز الفكر ، وبهذا الجهاز تتقوم الاعمال الخالدة في صميم التأريخ فكلما ، امعن الانسان في تواضعه لابناء جلدته، واقر في نفسه انه واحد منهم ، وانهم شركاؤه في الحياة وانه لا يرى في نفسه التعالي عليهم خلقاً يحمده عليه العقل ، شعر من نفسه بالضعف ، ومن عزمه للخور ، من همته بالتخاذل ، فأذا بحرارة الدم تخفت فيه  ، واذا بحديد العصب ينهار منه واذا به اخر الامر يعيش في امته عيش البهائم.
في يقيني : ان السيادة في الامة ، انما تبني قبل كل شيء ، على الدم الفائر والعزم الطاغي ، والعصب الجبار ، فأي منا بلغ الاوج في العلم ، واحرز قصب السبق في تثقيف نفسه وتهذيبها ، ثم لم يؤت العواطف الثائرة ، كان اسير الحرمان في حياته من كل ما يذكي الطموح ويشحذ العزم بين يدي سدة المجد وعزة السلطان ، فالعواطف اذاً هي خلاصة ثورة الدم وطغيان العزم وجبروت العصب الحساس في الانسان ، فأذا ملك من اوتي ذلك ، سيادة الامة ثم شفع سيادته هذه بالعدل الانساني كان افضل انسان ، واذا نكب عن طريق الحق ، ولم يعضد هذه السيادة بالعدل والرحمة ، كان هو الطاغوت الذي نسبغ عليه لقب النمرود تارة ولقب الفرعون تارة اخرى ، على اني استثني من طغاة الانانية هؤلاء ، بناء الحق وحملة الناموس الاعظم فليست الانانية فيهم وليدة حب الذات والآثرة في سيادة العالم ولكنها وليدة العقيدة القائمة على حب الاصلاح ، وانهم هم وحدهم المسؤولون عن حفظ الناموس وحمل العالم على الايمان به والاستحالة فيه ، هذه العقيدة ترفعهم عن مستوى الناس فيرون العالم دونهم ، لا يقوى احدهم على حمل الرسالة فيستحلون دمه في سبيل الحق الدائم على الوحدة بين يدي تعزيزه.
النبي المرسل يرى نفسه المسؤول الاول عن اداء رسالته القدسية في سبيل الاصلاح العالمي ، في سبيل الاصلاح العالمي ، ويرى الكفر بهذه الرسالة جناية على الحق ، ومن هذا الكفر منافسة الطامحين له في السيادة العاليا في الناس هي الوسيلة الاولى في تأدية هذه الرسالة اليهم وتمكينها من نفوسهم اذ يرى نفسه مسؤولاً بين يدي الله عن اصلاحهم وتوجيههمى نحو الحق توجيهاً يضمن لهم السعادة في الحياة القائمة على الانسانية والانسانية لفظ يضيق بالمعاني السامية التي ينهض بها هذا اللفظ ، ادناها الى فهمنا ، المحبة والتعاون.
وبعد فلا ابعد عن الحقيقة ان قلت : ان للعدو كما للصديق فضلاً علي في تربية هذه العواطف فكما ان الصديق يربي في نفسي عاطفة الحنان والالفة والمحبة ، اجد ان العدو يربي في نفسي عاطفة الحسد والمقت ، والعواطف ما لم تتدافع وتتنازع في عالم كياني لا تنتج الحركة الدائمة التي تولد حرارة الحياة ، فالسلب والايجاب في كل متحرك هما السبب الاول في تقويم الحياة التي من اجلها كان .
فالذباب الذي يحرج صدري ، والبق الذي يقض مضجعي والزائر الثقيل الذي يرهقني برواحته وغدواته ، والسلطان الجائر الذي يضيق بحكمه ذرعي ويكرهني على تحمل اذاه ، كل ذلك يهبني من حيث اكره ومن حيث لا اشعر ، ما لا غنى لي عنه في حياتي ، لان الروح التي يتقوم بها كياني مفتقرة الى الحرارة التي تنشأ عن الكره والحسد والغضب ، افتقارها الى الحرارة التي تنشأ عن الحب والغبطة والرضا ، فالانفجار انما يحدث من احتكاك الاجرام بعضها ببعض ، ومن هذا الانفجار تتولد الحرارة ، والحرارة مصدر هذه العواطف التي نحيا بها مستقلين افراداً ومتحدين جماعات وعلى هذا بنينا حركة للفكر او الدم القائمة في كياننا وليدة العواطف المتناقضة الباعثة فينا حياة الجسد مشفوعة بحياة الروح فقد يكون وراء ما نعقل حياة او اكثر من حياة ، لا يستقيم هذا المنطق معها ، فيكون السالب وحده ، او الموجب وحده ، هو الذي يلد الحركة الباعثة في عالم الحياة ، وقد يكون في تلك الحياة الموهبة لغيرنا من العوالم انظمة ونواميس تغاير انظمة الحياة الموهبة لنا ، كما يكون الله قد اعد لنا حياة اسمى من هذه الحياة نحياها في ظل الخير وحده لو نزلنا على حكمه ، وخضعنا لسلطانه الذي يفرض علينا الخير وينهانا عن الشر وقد يكون هناك عالم يتقوم بالشر فقط ، ويكون من وراءه عالم اخر يتقوم بالخير ، كما نحلم على ان عالمنا هذا يتقوم بالخير والشر معاً اذ نجد الجمال مجهولاً لدينا لولا وجود القبح ، والخير مفقوداً فينا لو لم ندرك الشر ، وهكذا يتميز الضد بالضد ، ويعصف النقيض بالنقيض في المادة والروح فتتحطم قوى النقيضين في سبيل تعزيز القوة العليا المهيمنة على الكون والقائمة في قلب الازل.
ان القوة الكلية في الكون ، انما هي وليدة التفاعل في جزيئياتها المنبثقة عنها وان تعزيز الاعلى بالادنى والادنى بالاعلى ثابت تحت مجهر العلم ، واما مشكلة اضطراب المنطق تحت ادراك السر في التلازم بين هذا وذاك واستحالة الوصول الى ذلك السر على العقل ، اما هذه المشكلة فموكول تحليلها والبحث في كنفها الى انا لم نبلغ من العلم حداً نصل معه الى اكتناه اسرار الكون القائم فينا والمطبق علينا ( ويسئلونك عن الروح قل الروح من امر ربي وما اوتيتم من العلم الا قليل)
صدق الله العظيم

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter