الديك

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Table Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-parent:””;
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Calibri”,”sans-serif”;
mso-bidi-font-family:Arial;}


/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Table Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-parent:””;
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Calibri”,”sans-serif”;
mso-bidi-font-family:Arial;}

نازك ضمرة 


سمعت حفيدهم الصغير يصرخ، عندما رآني متدلياً بيد ماهر وهو يأخذني بعيداً، كان الطفل يبكي محتجاً يريده ان يطلقني، صاح يقول:

_ديكنا! ديكنا!

ولما لم يستمع له احد، ارتمى على الارض وصار يتمرغّ في التراب، فاضظروا لإبعادي عنه.

بعد دقيقتين أو ثلاثاً سمعتهم ينادون عليه، كي يعتاد على مشاهدة الموقف، كنت لحظتها ارقص، وارفرف، ضحك الصغير وصار يقفز حولي، أنا أرقص في حركة جنونية دائرية، والطفل يلاحقني وهو يتراقص مندهشاً، لمحت عينيه مفتوحتين أكثر من العادة، وبرغم فرحه وتهيجه لأنه يراني أدور ولا  أهرب بعيداً، يقترب اكثر عندما اردت ان استريح قليلاً من الرفرفة والرقص المجنون، والدوران الى كل اتجاه، تنامى الى سمعي صوت حفيدهم يتقدم ويصفق ويضحك عالياً قائلاً الديك يرقص! يرقص الديك! الديك لا يهرب.

وبعين واحدة، رأيت الشجرة الصغيرة تنحني ، مالت الشجرة التي في الاناء باتجاهنا ، كاد الاناء الصغير المزروعة فيه ان يسقط عن النافذة سقطت عنها ورقة صغيرة جديدة، سمعت تلك الورقة البكر تدعو روحي لاحتضانها.

اسمع نزع اللحم عن عظامي، روحي الملتصقة على الزجاج الخارجي، تسمع طقطقة عظامي الهشة وتحسّ تقطيع اللحم بالايدي والاسنان، عصي على المضغ، لحمي عصي حتى على الطبخ بالضغط، فقدت رقصي، نعم! وتوقفت حركاتي البهلوانية، لكنني لا اعترف بالزوال ، فأنا معهم واحبهم.

اتعبت ربة البيت، ارهقتها وهي تلاحقني، واتعبتني جداً هي كذلك، اضطررت ان الجأ الى زاوية ضيقة، فألقت القبض عليّ، طوقت رجليّ بأصابع يديها، رغم انها كانت غاضبة مني ، تلهث من التعب، مع أنني انا الآخر كنت متعباً، سال خيط من لعاب من فمي إلى الأرض، أشفقت المرأة فرفعت مقدمة جسمي حتى لا يظل رأسي متدلياً، وقبل أن تناولني لابنها ربطت على ساقي حتى لا أرفرف وأفلت منها من جديد.

طرفا جناحيّ كانا يلمسان الارض في ساحة  الدجاج حينما كنت الديك الوحيد، ارفع رأسي عالياً، اتمايل يميناً ويساراً، اختال متباهياً بريشي الاحمر الذهبي، اصيح واصيح، فتتوقف كل حركة الدجاج في الزريبة وتنتبه بي، تتوقف الفراخ وصغار الدجاج وتنكمش ، خاصة محظيتي الرقشاء، تتراجع او تتشنج ، تنحرف وتقصر قامتها ، تقزم نفسها، مرحبة بمقدمي وصياحي ، تهرب الديوك الاخرى، اعتلي ظهرها وانا احس بهيبتي، اشعر بالرضا، ازداد تديكا، فاحنو على دجاجتي المفضلة، احميها من اي ديك يجرؤ على التطفل والاقتراب منها، وافضلها على نفسي في الطعام، كبرت الديوك، سيطر واحد منها، اصبح اقوى مني، فصارت جولات من الصراع تنشأ كل يوم، لم يهدأ أي منا حتى نرهق بعضنا لكثرة القفز والنقر والتجريح والصياح.

حينما شاهدت سيدة البيت قادمة في ذلك اليوم ظننت انها ستقدم الطعام لنا كالعادة، لكن مشيتها وتطلعاتها تختلف عن الايام السابقة، احست الدجاجات بالخطر الداهم ابتعدن عن طريقها، فقفزت مبتعدا عن طريقها واحدثت جلجلة وجلبة، حتى امسكتني.

قالت لابنها ماهر: خذه عند جارنا، حتى نتفكر في أمره، أزعجنا بصياحه، وبكثرة صراعاته مع صغار الديكة، لقد أنهكهم جميعاً، وجرح ظهورهم.

وافق الجار،فتح باب حظيرتهم، واطلقني بها. حالما شاهدته تجمدت مفاصلي، ارتخت ريشات اجنحتي ، ألست الديك الجبار، الديك ذو التاج الذهبي الذي لا يقهر ، نظر شزراً اليّ، ضرب رجله اليمنى بالارض، رفع رأسه اكثر، صاح صيحة مجلجلة جمدت كياني، قفزت بعيداً، تابع قفزاتي بنظراته، حالما تأملته جيدا، ادركت خطره وعنفوانه، تمنيت لو انني بقيت مقيد القدمين، على ان اقع هذا الموقف المذل،  غريباً تحت رحمة عدو متحفز، هذا ديك لا يجارى في قوته، اعتقد انه لا يعرف الرحمة، وليس لقسوته حدود.

اردت السمالمة والانكماش، وددت لو تحتويني يد ماهر ثانية، حدث المحذور، اردت الدفاع عن نفسي ، لكنني بدا لي انني اواجه فيلاً ، طار عالياً ثم هوى على كتلتي، ملأ منقاره من ريش ظهري، وحفر منقاره جرحاً عميقاً في ظهري، احس صاحب الحظيرة بالموقف، عرف ان لا مجال لديكين في حظيرة واحدة، تقدم ليمسك بي، توقفت وانكمشت، رحبت بيديه الخاويتين لتطوقانني، نادى الجار على ماهر، فاعادني الى أهلي، أحسست بفرح وتنفست الصعداء لأنني نجوت من تعذيب ذلك الديك الغريب المفترس، قطة كبيرة كانت تركز عينيها علت الكتاكيت الصغيرة داخل حظيرة الجيران، لحست أنفها ثم فمها مرتين، فطنت لوجود الرجل واولاد آخرون، فابتعدت وهي تنظر خلفها، وما زال لسانها يلحس أنفها.

وبينما كان ماهر يحملني مبتعداً، سمعت نقنقة  دجاجات ذلك الديك المتمرد، وربما تقدمن صوبه، كل منها تحاول التقرب منه، فتذكرت محظيتي، ومنيت نفسي بالعودة لاعتلاء ظهرها كلما أردت، ماهر انسان رقيق، ناعم حتى الجبن، تذمر من حملي واعادني لوالدته، وحين أمسك بي من يد الرجل رفعني بخشونة وبسرعة هذه المرة، جفلت خوفاً من الحركة المفاجئة، رفعت رأسي مستطلعاً، يبدو أن أحد مخالبي أو منقاري خدش جلد يده، طرحني أرضاً وابتعد كي يتجنب مخالبي فزعاً أو حتى لا أنقره، احسست بالحرية فقفزت مبتعداً عن الناس، لكنه الضياع، والحظيرة المجاورة محرمة عليّ، فما العمل؟ … انه الفراغ الذي لا نهاية له، لا حدود ولا حماية ولا دجاج تقبل وجودي.

حاول ماهر اللحاق بي، لكنني واصلت الابتعاد عن المكان، أرض فسيحة اجهلها، فأين سأتجه؟!

لم يزعجني ماهر طويلاً ، ملّ او تعب من المطاردة، تركني في وحدتي، احترت اين اتجه،  تمنيت لو ظل يطاردني، احببت ان يلقى القبض عليّ. هل سأعود الى مملكتي ودجاجتي؟! اين حظيرتي التي فيها تربيت؟.

ما الذي سبب لي كل هذه المتاعب والشقاء؟! اهو الرجل ام ربة البيت؟ اهي دجاجتي المفضلة التي فرخت العديد من الديوك ام ذلك الديك مزركش الريش؟  مع انه ابني، لكنه أزعجني وقلل من هيبتي، صار يحاول أن يحرمني الاقتراب من كل الدجاجات حتى صديقة عمري القديمة ، دجاجتي المحظية ، وكان ينفجر غيظاً حين  تصر على الاقتراب مني والالتصاق بي، تتبعني حتى في هربي الى اقصى الحظيرة خوفاً من عدوي الارقش المغرور.

اشاهد شخصين يتجهان صوبي، بعد ان عرف اهلي من ماهر قصة هربي او قل ضياعي، لمحاني وبدآ يطاردانني كي اهرب باتجاه العودة ، في السهل الفسيح اتعبتهما واتعباني، اخفيت رأسي تحت لوح من الصاج ، ظننت انني نجوت ، وجدت نفسي بعد قليل بين يدي رب البيت،

طلب من ابنه احضار شيء، رفعني من رجلي، ركز صدري على يده الاخرى، احسست بالراحة والامان، تناول ما احضر ابنه له امسك برأسي بلطف وسحبه للخلف مداعباً، جر شيئاً على رقبتي بلطف، احسست بأن شيئاً حاداً يجرحني، اطلقني بعد ذلك ، فرحت لحريتي، رقصت، شكرته على منحي حريتي، ما اجمل ان يأخذ الديك حريته في حظيرته او حولها . رجل محترم، يحب الحرية، ويقدر الديوك سأبتعد عن الواقفين حولي، رغم دغدغة هذا الجرح الطارىء في رقبتي ، اريد ان التحق بامثالي من الديكة. او انضم الى حظيرة دجاجتي العزيزة بعد ان استريح قليلاً، الدفء والحرارة تتبخر من كل مكان في جسدي، هناك شيء دافىء جداً لا زال يتدفق من رقبتي ، تعبت من الرفرفة والرقص والهذيان صرت احس بزوغان في عيني، أحسّ بتعب شديد وبإعياء، عضلاتي واجنحتي  تضعف بل وترتخي، اريد ان …………أ….ن …….ا….م، سأنام قليلاً ، ما هذا الذي احسه.

ما الذي يجري ؟!

روحي وكبريائي وغروري تطير، هناك للأعلى كالعادة طبعاً، نحن معشر الديكة نحب الاماكن المرتفعة، تحب الديكة اصحابها، وخاصة ربة البيت احب الوقوف في الشرفة على طرف النافذة وخلف الزجاج من الخارج، التصقت روحي هناك تلك اللحظة، ارادت دخول المنزل ، لكن النافذة كانت محكمة الاغلاق، قنعت روحي بالبقاء خارجاً انها ترى جميع افراد العائلة الذين احبوني واحببتهم ، سقوا جسمي واطعموه ، انني لا انساهم ولن انساهم ! تأملوا جسمي الذي تهالك من التعب وكثرة الرفرفة، ممدد اسفل الشرفة، تناوله احدهم وغاب.

انهم يأكلون لحمي الآن! روحي وكبريائي وقوتي، تأبى الاعتراف بموتي، انا الديك الجبار! انا ديكهم!!

فكيف يأكلونني؟!

ابعد كل الخدمات التي قدمتها لهم ، يأكلون لحمي؟ هاهو الصغير يتذكر أيامي وقوتي وجمال ريشي، اما والده فأجابه قائلاً

–  لدينا غيره يا ولدي، ويمكنك مشاهدة أكثر من ديك كلما اقتربت من الحظيرة

هذا امر محير وصعب!

لم تفارق روحي مكان ولادتها ونشأتها ونوم جسدها النهائي، تنظر ركن جاني، فترى ابنتهم تغمس جسدي في وعاء مملوء بالماء المغلي، حسب طلب الام، كان السطل ما يزال على النار، ازداد تصاعد البخار عندما هويت بداخله لحظات، اخرجتني الام، وبدأت تنزع ريشي بمهارة وسرعة ورشاقة،  حتى إن ريشات تاجي التي كنت أتباهى بها هوت كلها بقبضة واحدة، عند وصولها طرفي الجناحين، اضطرت لاستعمال اقصى قوتها، حينها لعنت الديوك الكبيرة واجنحتها،سمعتها ترجو زوجها بمساعدتها لتقطيع لحمي بسكينه الحاد، سنّ صاحبنا سكينه المفضلة الطويلة جربتها مرة واحدة، وانا اراقبه ماذا سيفعل بجسدي الابيض، لم تعد هناك اية ريشة مكانها على اللحم، نماثر ريشي الذي كان يدفئني ويجملني، قامت البنت وامها بجمعه في كيس، والقائه في صفيحة الزبالة ، كان مثار اعجاب الجميع، عندما كان يكسو جسدي ، ايّنا يتعذب اكثر؟! اهو جسدي الذي يجدون صعوبة في اكله الآن ؟ او روحي القابعة خلف الزجاج ارى ايديهم وافواههم وعيونهم! ليتني ارى ما بدواخلهم!!                   

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter