الحياة الامبراطوية في مدينة الزمرد القسم الاول

مستشفى مترف لعناصر الاحتلال في بغداد ومستشفى معدم للمواطنين

 

الاطفال يموتون في مستشفيات العراق والمجرم بريمر يبحث عن (الابتسامة)

 

مستشفى اليرموك مجار طافحة وابنية كونكريتية ورعاية صحية معدومة

 

عرض وترجمة: عمر عدس

تأليف: راجيف تشاندرا سيكاران

 

 

 

كتاب “الحياة الإمبراطورية في مدينة الزمرد” يأخذ القارئ إلى داخل المنطقة الخضراء في بغداد، ليرى ذلك العالم المختلف، تلك القطعة من الولايات المتحدة أو “أمريكا المصغرة” القائمة داخل أسوار تلك المنطقة.. حيث مقر قيادة سفارة الاحتلال الأمريكي. وحيث تتباين الحياة داخل تلك الأسوار وخارجها على نحو صارخ.ويروي الكتاب إلى جانب ذلك، قصة التخبط الأمريكي في إعادة بناء العراق في مرحلة ما بعد الحرب، وما آل إليه ذلك من فشل بات معلناً ومعروفاً للجميع.مؤلف الكتاب هو راجيف تشاندرا سيكاران، مساعد مدير تحرير صحيفة “واشنطن بوست”، منذ سنة 1994. وقد عمل قبل ذلك رئيساً لمكاتب تلك الصحيفة في بغداد والقاهرة وجنوب شرق آسيا، كما عمل مراسلاً لها في تغطية الحرب في أفغانستان.

يتناول المؤلف في بعض فصول الكتاب، وضع الرعاية الصحية والمرافق الصحية في العراق بعد الغزو والاحتلال، وبخاصة في العاصمة بغداد.ويبدأ الحديث بوصف مستشفى ابن سينا الذي ينتفع به الأمريكيون داخل المنطقة الخضراء. فيقول إن هذا الصرح العظيم المكون من ثلاثة طوابق، يبدو من النظرة العابرة مستشفى عسكريا أمريكيا حديث الطراز. وفيه خمس منصات لإجراء العمليات، وعشرة مراكز لاستقبال الحالات الطارئة، وستة وسبعون سريرا. وهنالك اجهزة للتنفس الصناعي، وشاشات مراقبة يتحكم بها الحاسوب، وجهاز لإجراء المسح المقطعي. ويقف جراحو الأعصاب والأطباء المختصون في معالجة الحروق، على اهبة الاستعداد لمعالجة الجروح والحروق التي تنجم عن تفجير القنابل على جوانب الطرق.والمستشفى بعيد عن غبار الصحراء الناعم الموجود في كل مكان في العراق. وبلاط الأرضية الأبيض نظيف لامع دوما، وكذلك الجدران والنوافذ. والأحذية العسكرية التي ينتعلها أطباء غرف الطوارئ، هي وحدها المتسخة. وقد اختفى لونها البني الفاتح ليحل محله اللون الأسود، واكتست بقشرة من الدم الجاف.ذلك هو مستشفى ابن سينا، كما يسميه العراقيون، أو مستشفى الوحدة الثامنة والعشرين، كما يسميه الأمريكيون، على اسم الوحدة العسكرية التي تديره، والتي نشرت في المنطقة الخضراء أكثر من 350 فردا من الأطباء والممرضين ورجال المساندة في المنطقة الخضراء.ويذكرنا المؤلف بأن هذا المستشفى، كان قبل الحرب عيادة خاصة لأقرباء صدام وقيادات حزب البعث. وعندما وصل الأمريكيون، ظل مرفقا خاصا، مقصورا الانتفاع به على الجنود، وافراد سلطة التحالف المؤقتة، والمقاولين من القطاع الخاص، والعراقيون الوحيدون الذين يسمح لهم بدخول المستشفى، هم الذين يطلق عليهم الجنود الأمريكيون النار دون قصد.وعلى الرغم من عدم انتفاع العراقيين بخدمات المستشفى باستثناء الفئة المذكورة استخدم تومي طومسون، وزير الصحة والخدمات الانسانية، مناسبة لاطراء سلطة التحالف المؤقتة اثناء زيارة قام بها الى بغداد بعد أحد عشر شهرا من بدء الاحتلال. فقد أعلن أمام آلات التصوير من أمام مدخل المستشفى، أن المستشفى مثال على الكيفية التي بدأت بها الولايات المتحدة في “إعادة تأسيس العراق كمركز للوقاية الطبية والرعاية الطبية الفخمة”.ويعقب مؤلف الكتاب على ذلك بالقول، إن شيئا من تلك الفخامة لم يكن له وجود خارج مدينة الزمرد “المنطقة الخضراء”.

يقول المؤلف إن مستشفى اليرموك خارج المنطقة الخضراء، وهو عبارة عن تجمع من المباني الاسمنتية المكونة من طابقين، مقامة حول ساحة اسمنتية، يبعد خمس دقائق بالسيارة عن المنطقة الخضراء، ولا تفصله عن طريق المطار سوى بضع وحدات سكنية. ويقول المؤلف عن هذا المستشفى إنه كان أضخم المراكز الطبية في بغداد واشدها ازدحاما، ولكن المؤلف الذي زار العديد من المستشفيات في طول البلاد وعرضها، يعتبر هذا المستشفى صالحا ليكون نموذجا يمثل نظام الرعاية الصحية في العراق. ويصفه بأنه كارثة بمعنى الكلمة.

فلم يكن شيء في المستشفى نظيفا. اغطية الأسرة متسخة، والأرضيات ملطخة بالدماء، والمراحيض فائضة بمياه المجاري. وغرف المستشفى تفتقر الى المعدات الأساسية اللازمة، مثل اجهزة قياس ضغط دم المريض أو معدل نبضه. وكانت غرف العمليات خالية من الأدوات الجراحية الحديثة أو الأدوات المعقمة. وكانت رفوف الصيدلية خاوية. وفي غرفة الطوارئ، كانت بضع نقالات ملطخة بالدماء تلقي على الأرضية ظلالا قاتمة. ولم يكن هنالك جهاز لاحداث الصدمة الكهربائية، ولا جهاز للتنفس الصناعي، ولا معدات لنقل الدم، ولا محاقن للأدرينالين.

ويقول المؤلف إنه زار المستشفى للمرة الأولى بعد بضع ساعات من تفجير السفارة الأردنية بسيارة يقودها انتحاري. وكانت ردهة المستشفى تضج بصرخات رجال بتر الانفجار بعض اطرافهم، من دون ان يتلقوا أي مسكن للألم. ويضيف المؤلف أنه كان يشم رائحة الدم، والبراز، والجثث التي كانت مخزنة دون تبريد. وكان اقارب الضحايا متجمعين حول اعزائهم الذين كانوا يعانون الحرق والتشويه، ولن ينقضي الليل حتى يفارقوا الحياة.

ويضيف مؤلف الكتاب ان قصة مستشفى اليرموك هي قصة كل مؤسسة عامة أخرى في العراق. ففي سبعينات القرن الماضي كان هذا المستشفى من أفضل المراكز الطبية في العالم العربي. وكان الاردنيون، والسوريون والسودانيون يسافرون الى بغداد لإجراء العمليات. وقد تغير ذلك، بطبيعة الحال، بعد غزو الكويت وفرض العقوبات، وعلى الرغم من ان صدام كسب في آخر الأمر حق بيع النفط مقابل الغذاء والامدادات الانسانية، لم يتوفر للمستشفى ما يكفي من الدواء. ويقول المؤلف، إن الحكومة العراقية كانت تلوم في ذلك الأمم المتحدة، لرفضها طلبات الشراء. كما كانت الأمم المتحدة تلوم الحكومة العراقية لأنها تطلب مواد غير مناسبة، وانها توجه العقود الى الأصحاب والخلان بدلا من المزودين ذوي السمعة الحسنة. وكانت ادارة بوش تعتقد ان حكومة صدام، التي كانت تحاول كسب التعاطف الدولي من أجل رفع العقوبات، كانت تتعمد حرمان مستشفى اليرموك وغيره من اللوازم الضرورية.

ويتابع المؤلف قائلا، مهما تكن ظروف المستشفى سيئة قبل وصول الأمريكيين، فإنها غدت أسوأ بكثير جدا عندما دخلت قوات الاحتلال الأمريكي المدينة. فقد ضربت قذيفة دبابة المستشفى يوم سقوط حكومة صدام، فأطاحت بمولد الكهرباء، وجعلت الأطباء يلوذون بمنازلهم. ومع عدم وجود أحد يعتني بالمبنى لم يكتف النهابون بسرقة جميع الاسرة، والأدوية ومعدات غرف العمليات الجراحية، بل سرقوا كذلك اجهزة المسح المقطعي والمسح فوق السمعي. وعندما عاد الأطباء الى العمل كانوا يكافحون بصعوبة من أجل توفير الاسعاف الأولي بأدوات ومعدات بديلة.

وعندما وصل الأمريكيون أوكلت مهمة إعادة تأهيل نظام الرعاية الصحية في العراق الى فريدريك بيركل الأصغر، وهو طبيب يحمل شهادة الماجستير في الصحة العامة وشهادات عليا من جامعات هارفارد وييل ودارتماوث، وجامعة كاليفورنيا في بيركلي. وكان بيركل ضابط احتياط في قوات البحرية، ونائبا مساعدا لمدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وكان يدرس في كلية جونز هوبكنز للصحة العامة، حيث تخصص في قضايا مجابهة الكوارث، واثناء حرب الخليج الأولى، كان يوفر المعونة الطبية للأكراد في شمال العراق، وسبق له ان عمل في كوسوفو والصومال. وفي فترة التحضير لغزو العراق، كان مكلفا بتنظيم الاستجابة الأمريكية لأزمة الصحة العامة المتوقعة في العراق. وقد وصفه احد زملائه في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية “أكبر المتخصصين في رعاية الصحة بعد الأزمات موهبة” وخبرة، بين كل الذين يعملون لدى الحكومة الأمريكية”.

ويتابع المؤلف قائلا، وبعد أسبوع من احتلال بغداد، أبلغ بيركل بأنه قد تم استبداله. وقال له موظف رفيع في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ان البيت الأبيض يريد شخصا “مواليا” في هذه الوظيفة، ويقول المؤلف إن بيركل كان يملك من الشهادات ما يغطي جدارا كاملا تعلق عليه، ولكنه لم يكن من بينها صورة شخصية تجمعه مع الرئيس، يعلقها على ذلك الجدار.

وتم تسليم وظيفة بيركل الى جيمس هافمان الأصغر، وهو من العاملين في المجال الاجتماعي، في الستين من العمر، ولا يعرفه أحد بين خبراء الصحة العالمية. ولكن يحمل شهادة طبية، ولكن له علاقات وارتباطات وسبق ان عمل مديرا للصحة العامة لدى حاكم متشيغان الجمهوري، جون انجلر، الذي زكاه لوولفوتز. وكان هافمان كثير الاسفار، ولكن معظم سفراته الى ما وراء البحار كانت بوصفه مديرا لمنظمة العون الدولي، وهي منظمة اغاثة ذات أساس تبشيري مسيحي، توفر الرعاية الصحية بينما تروج للمسيحية في العالم النامي. وقبل مهمته الحكومية، كان هافمان يدير مؤسسة تبن للأطفال مسيحية في متشيغان، وكانت تحض النساء الحوامل على عدم الاجهاض.

في الشهرين اللذين يفصلان بين إنهاء خدمات بيركل، ووصول هافمان، كانت وزارة الصحة قد سلمت الى ستيف براوننج، الاختصاصي في فيلق المهندسين في الجيش الأمريكي، الذي كان يرأس أربع وزارات في الأسابيع الأولى من الاحتلال، والذي أوكلت اليه فيما بعد مهمة زيادة إنتاج الكهرباء. ولم يكن لدى براوننج أي خبرة طبية، ولكنه كان يعرف عددا كافيا من الخبراء، وتحدث الى عدد كاف منهم لكي يعدوا قائمة بالأولويات. وكانت الوقاية من الأمراض، وتوفير مياه الشرب النظيفة، وتحسين الرعاية في المستشفيات على رأس تلك القائمة، بالإضافة الى توفير الأدوية والتجهيزات الطبية. وكانت المستشفيات والعيادات خالية من المضادات الحيوية، ومسكنات الألم، وغيرها من الأدوية والعقاقير. وغدا البت فيما اذا كانت الشركة المملوكة من الحكومة، والمسؤولة عن طلب وتوزيع العقاقير والتجهيزات، تملك السلع اللأزمة في مخازنها، وتدبير طريقة لشحن تلك المنتجات الى المستشفيات، ومن الأولويات الملحة. وبعد بضعة أيام من وصول جيري بريمر الى بغداد، اراد ان يزور أحد المستشفيات. وافتراض معدو جدول زياراته ان قيامه بذلك سيكون فرصة طيبة لالتقاط الصور. وفي الطريق الى أحد المستشفيات، ركب براوننج مع بريمر في سيارته المصفحة، واعتقد براوننج انه يستطيع ان يستغل الوقت في مناقشة خططه للوزارة، والحاجة الى الحصول على معونات خارجية ضخمة، ولكن بريمر راح يتحدث باسهاب عن ما يسمى “عملية الابتسامة”، وهي عمل خيري أمريكي يرسل الأطباء الى ما وراء البحار، لإجراء عمليات جراحية تجميلية للأطفال الذين يعانون تشوهات في الوجه. وكان براوننج في بادئ الأمر يهز رأسه موافقا بأدب، ولكن حين استمر بريمر في الدردشة حول “عملية الابتسامة” تلك، قاطعه براوننج قائلا: “.. عليك ان تفهم الوضع على الأرض. فنحن نحاول الحيلولة دون تفشي الأمراض الوبائية، ونحاول فقط توفير بعض مياه الشرب النقية للناس، ونحاول استعادة الخدمة الأساسية في المستشفيات، وتوفير بعض المعدات الصيدلانية والطبية. وان من الترف الحديث عن شيء مثل “عملية الابتسامة”.

ويقول المؤلف، لو أن شخصا آخر قاطع المبعوث الأمريكي بهذه الطريقة، لأنهيت خدماته على الفور. ولكن براوننج كان واثقا من نفسه، فهو يعتبر أحد انبغ المديرين في سلطة التحالف المؤقتة. وكان يبدو ان الجميع يعلمون، ان مستشفيات العراق حصلت على المولدات الكهربائية، بفضل جهود براوننج، بصرف النظر عن الاشياء الأخرى التي تفتقر اليها.

فبعد شهر من احتلال العراق، تجمع جمهور غاضب أمام وزارة الصحة، وعندما شق براوننج طريقه بين الجموع للاستماع الى مظالم الناس المتجمهرين راح رجل يلطم صدره بقبضتيه محتجا، وعندما اقترب منه براوننج، رفع الرجل صورة فوتوغرافية لمولود صغير. واستغرق الأمر بضع دقائق من رجل مترجم براوننج لكي يفهمه الأمر: كان المولود في الصورة ابنة الرجل. وكانت الكهرباء قد انقطعت ولم يكن في المستشفى الذي ولدت فيه الطفلة مولد للكهرباء، فماتت في الحاضنة الموضوعة فيها (يتبع في عدد مقبل

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter