الحياء

عالية محمد حسن

لكل انسان صفة معنوية يعبر عنها بالخير مرة وبالشر اخرى حسب اثارها الظاهرة في الخارج ولايمكن لأحد من الناس ان يعرف صاحبها او يحيط علما تفصيليا بصفته هذه الا بالمعاشرة او المعاملة او المجاورة.ولكل واحد من الخير والشر الكامنين في الأنسان علامه تخصه .فأذا وجدت تلك العلامة في احد من المخلوقين علم انه من اهله اجمالا .فعلامة الخير الحياء وعلامة الشر القحة والبذاء .
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الحياء من الأيمان .والأيمان في الجنة.والبذاء من الجفاء والجفاء في النار)وانما كان الحياء من الأيمان لأن صاحبه قد اتسم بصفة وهي الخير لاتصلح ألا للؤمنين بخلاف البذاء …وقد جاء في حديث اخرآنه (ص)قال:
(ان الله يحب الحليم الحيي ويبغض الفاحش البذي) وفي آخر عنه (ص) ((قلة الحياء كفر الحياء .نظامه الأيمان فأذا انحل نظام الشيء تبدد مافيه وتفرق) وقال الصادق (ع) (الحياء والأيمان مقرونان في قرن فأذا ذهب احدهما تبعد صاحبه.لا ايمان لمن لا حياء له ).الحياء حياة المحيا ،وزينة الجوارح ،وروح الآدب ،وقوام الأخلاق ،وداعية الوقار وامانة العفة ،وعلامة الخير .يمنع صاحبه من عمل المنكرات ويردعه من فعل الموبقات ويوئمن الناس من شره ويرشدهم الى خيره .ومن كلام سيد البلغاء امير المؤمنين (ع) (من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه ) أي ان صاحب الحياء لا يعمل عملا يعيبه عليه الناس واليه ينظر قول من قال:
        وحاجة دون اخرى قد سنحث لها         جعلتها للتي قد اخفيت عنوانا         وانني لا أرى من لا حياء له              ولا امانة وسط القوم عريانا وفي الخبر عن سيد البشر (ص)انه قال(من القي جلباب الحياء فلا غيبة له )ومفاد هذه الخبر ان من لا حياء له فاسق ويفسر هذه خبر لا غيبة للفاسق وعنه (ص) (اربع من كن فيه وكان من قرنه الى قدمه ذنوبا بدلها الله حسنات.الصدق و الحياء وحسن الخلق والشكر)
وقال ابو عبدالله (ع)  (اربع من كن فيه كمل ايمانه وان كان من قرنه الى قدمه ذنوبا لم ينقصه ذلك الصدق واداء الأمانة والحياء وحسن الخلق)
الحياء مطلوب من الرجال والنساء ولكن مطلوبيته من النساء اشد وءاكد ولذلك كان العرب اذا ارادوا المبالغة في حياء الرجل قالوا هو احيي من فتاة قال شاعرهم :
        فتى كان احيي من فتاة حيية       وارهف من ذي شفرتين صقيل والحياء من صفات الأنبياء وكان نبينا الهادي (ص) اشد الناس حياء حتى في بيته وبين نسائه وقد روي انه صلى الله عليه واله وسلم كان من شدة حيائه لايثبت بصره في وجه احد وكان في بيته اشد حياء من العاتق لايسألهم طعاما ولايتشهاه عليهم ،ان اطعموه اكل وماسقوه شرب وما اعطوه قبل وكان الأمة من اهل بيته على سيرته (ص) ومن قصيدة الفرزدق في مدح علي ابن الحسين (ع):
       يغضي حياء ويغضي من مهابته        فلا يكلم الا حين يبتسم للحياء مراتب اربعة (المرتبة الاولى )حياء الانسان من الخالق وذلك ان لا يترك اومره يجتنب نواهيه ويحسن مع عباده وهذا الحياء انما يكون من كمال المعرفة بالله تعالى وقوة الألتزام بدينه قال احد الأصحاب للنبي (ص)عظني يارسول الله فقال (ص)استحي من الله تعالى استحياءك من ذوي الهيبة من قومك .وروى بن مسعود انه (ص) قال استحيوا من الله حق الحياء فقيل يارسول الله وكيف ذلك؟ من حفظ الرأس وماحوى والبطن وماوعى وترك زينة الحياة الدنيا وذكر الموت والبلى فقد استحيا من الله حق الحياء .وقال امير لمؤمنين (ع)اتقوا معاصي الله في الخلوات فأن الشاهد هو الحاكم .وحكى بعض الأعراب قال خرجت في ليلة بهيمة فأذا انا بجارية كأنها علم فراودتها فقالت اما لك زاجر من عقل اذا لم يكن لك ناه من دين فقلت انا لايرانا احد الا الكواكب فقالت واين مكوكبها فاطرقت حياء من الله تعالى وتبت من ساعتي .(المرتبة الثانية)من مراتب الحياء حياء الانسان من المخلوقين.وذلك بترك الفضايح واجتناب القبائح وكف الأذى وستر مالا تصلح المجاهرة بد وهذا الحياء انما يكون من الاباء لأن الابي النفس البعيد الهمة لا تطاوعه نفسه ان يقول فيه الناس مالا يحب ويرغب في حسن الثناء عليه وجميل الأحدوثه عنه فلا يفعل ماينفر به قلوب الناس عن نفسه وفي الحديث( من تقوى اشد اتقاء الناس ولاغيبة للفاسق المجاهر ) واتى حذيفة بن اليمان ليشهد صلوات الجمعة فرءى الناس قد انفضوا منها فتنكب الطريق لئلا يراه المصلون .وقال لاخير فيمن لايستحي من الناس.
(المرتبة الثالثة)من مراتب الحياء حياء الأنسان من نفسه وذلك بأن يتطلب لها العفة ويترفع بها عن الدنيا والضعة وهذا الحياء انما يكون من طهارة الأنسان الباطنية وحسن سريرته (المرتبة الرابعة)من مراتب الحياء حياء الانسان من ربه ومن الناس ومن نفسه وهذه الحياء انما يكون من كمال المروة .وقد جاء في الحديث عن النبي (ص)انه قال(لادين الا بمروة )ولما قتل مصعب ابن الزبير قيل لعبد الملك ابن مروان اكان مصعب يشرب الخمر ؟فقال لو علم مصعب ان الماء يفسد مروته ماشربه.
والقائل:
    اذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا       وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع
وهذا البيت مضمون حديث شريف روي بالاسناد عن ابي منصور البدري احد البدريين عن رسول الله (ص) (ان مما ادرك الناس من كلام النبوة الاولى :يابن ادم اذا لم تستحي فاصنع ماشئت)
ومغزى هذه الحديث الاقدس ان عديم الحياء الذي لا يبالي بما قال وما قيل فيه لا رادع يردعه عن عمل المنكرات ولازاجر يزجره من اقتراف السيئات كما ان الحياء مراتب فعدمه ايضا مراتب وذلك باعتبار الشرور والمساوي الناشئة منه كالكذب والغيبة والبهتان والنميمة والنفاق والظلم والرشوة وشهادة الزور والفسق والفجور وشرب الخمر والبغي عن الناس وامثالها من الامورالتي لا يرتكبها الا الانسان الوقح العديم الحياء .من ارتكاب امثال هذه الامور كما جاء في الكلمات المنسوبة لامير المؤمنين عليه الصلوات والسلام (من لانت اسافله لبت اعاليه )(من اتي اجانه قل حياءه وبذء لسانه ) وفي الأثر ان ابرويز وهو احد ملوك الفرس راود امرءة على الفجور فقالت له ايها الملك ان المرءة طبعت على ثلاثة اجزاء من الحياء فأذا افتضت فجورا ذهب من حياءها جزء واذا حملت من فجورها ذهب الجزء الثاني واذا ولدت من حملها هذا ذهب الجزء الثالث وانا اعيذ الملك ان يعدمني شيئ من اجزاء حياتي .فكف عنها .
اذا لم تخش عاقبة الليالي
ولم تستحي فاصنع ماتشاء
فلا والله مافي العيش خير
ولا الدنيا اذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا بخير
ويبقى العود مابقي اللحاء

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter