الحلال أخي جواد ما أجمل تجارتك علي السوداني

أشتهي أن أذهبَ الليلة مجروراً بقوة الحنين والنزف ، صوب فصلٍ جديدٍ من فصول تجارة أخي الأكبر جواد ومراكبهِ التي نادراً ما كانت تنجو من غرقٍ مباغتٍ وسط الشطّ . كان جواد عبقرياً في التنظير والترويج للفرص التي تمطر عليه من السماء بغير حساب ، ولو أنّ ربعها قد توفر لواحدٍ غيره ، لصار أحد أشهر مليونيرات بغداد بيوم وليلة ، لكنه رحمه الله كان بارعاً في إفساد تجارته بعد زمانٍ قليلٍ من شهرتها حتى تأفل وتموت ، فتمنحهُ السماء وقوة القنص عنده خياراً آخر عظيماً ، فيفسدهُ لتستمر هذه المتوالية العجيبة حتى يوم موته الموجع .
عند باب الثمانينيات حصل أخي النبيل على دكانين ممتازين ببناية جديدة انزرعت فجأة بخاصرة شارع النهر واسمه الأصليّ شارع المستنصر ، وأظن ان اسم البناية هو عمارة الأمانة وهي مصنوعة من الطابوق الأصفر الجميل . إطلالة كنز مؤكد على شارع البنات والجمال تآكل جدارها الأول بعد كمشة شهور ، إذ باع جواد أحدَ الدكانين الثمينين لصاحبه الصائغ الصابئي اللطيف أبو معن ، وبثمنه قفز صوب الكرخ وسينما الأندلس بالصالحية ، وشارك دكانها الداخلي الذي يبيع سندويجات العمبة والبيض والمشروبات الغازية مع صديقه الطيب الصائغ بحر . أما دكان شارع النهر الثاني فحوّلهُ إلى دكان كرزات ونستلات ، حتى شاهتْ عيناه نحو بطن البناية ، وكانت أغلب دكاكينها مستوطنات من قبل صنّاع الأحذية .
في محل الكرزات كنا ننطر أيام الأعياد حيث تأتي الناس للتسوق ، وكانت أشهر مبيعاتنا هي الجوز واللوز والمبروش ، وأذكر أن اخي الشاطر الشيوعيّ المثقف الممتع ، لم يكن يشتري مادة الجوز التي ستصير إحدى أشهر حشوات الكليجة ، من سوق الشورجة جاهزة ومفرطة ، بل كان يشتريها مع قشرها القاسي ، فنقوم نحن بتكسيرها وإخراج ثمرها اللذيذ فتكون خسارتنا بإثنتين ، الأولى هي أصابعنا وأظافرنا التي لم تكن لتنجو من الضربات العشوائية للمطرقة أو لكيلو الوزن ، والثانية هي أن ربع خراج الجوزة الواحدة سيستقر ببطوننا التي كانت تضحك نيابة عن وجوهنا المرتبكة من دقة العمل . بعد نحو سنة فكّر أخي العذب بتحويل الدكان إلى مبيعات شرابت وعصائر وسندويجات ففعل ، ولم تمضِ شهور طوال حتى فشل الدكان ، فباعه أخي المبجل برخص التراب وقفز نحو سوق المنصور المركزي الذي سمعت أنه صار الآن مول المنصور ، فنزلت عليه نزلة ذهبية جديدة وحاز على دكانين جديدين ، وكانت تجارته المباغتة ، هي الملابس الغالية والماكياج ، قبل أن يخسرهما ويطير هذه المرة إلى كورنيش الأعظمية ويشتري دكان حازم المواجه للمتحف العسكري ، والناظر إلى المدافع العتيقة المزروعة على شاطئ دجلة . بكشك حازم كنا نبيع الهمبركر الطيب ولفّاته المدورة والطويلة ، صحبة الصاص والزيتون الأسود والخردل وشرائح البصل واستدرات الطماطة الرايجة . ألآن أشعر بتعبٍ كبير من ثقل الذكرى . سأعود تالياً . تصبحون على خير .

 

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter