الحشد والمهمة الشاقة – تحرير مدينتين في كل معركة صائب خليل

حرق وسرقة حاجات المخازن والمنازل حالات شاذة ضخمها ازلام داعش من السياسيين والبرلمانيين

 

قبيل تحرير تكريت كتبت :”قلوبنا تخفق مع قوات الحشد الشعبي البطلة وهي تتقدم في صلاح الدين وتحطم الأسطورة التي بناها الإعلام الإسرائيلي الأمريكي عن داعش…إنها ليست المرة الأولى التي نرى الايدي المسدولة والمضمومة تصلي معاً، لكنها بلا شك اللحظة التاريخية الأكثر مباركة لهذه الصورة الرائعة التي يجب تكون رمز العراق الجديد المنتصر الذي نفخر به. دين واحد وشعب واحد أراد أعداؤه تمزيقه فلم يفلحوا، ولم يزيدوه في نهاية الأمر إلا تلاحماً!”.

لا أذكر أني احسست بالفرح والأمل يوماً بقدر ما أحسسته وأنا أرى “الحشد الشعبي” ينبثق من بين الرماد واليأس ليغير الصورة القاتمة في كل جانب! فقد نجح أعداء الشعب الذين دخلوا البلاد بأجندة إسرائيلية واستلموا الإعلام فيه، من بث السموم  أكثر من عقد من الزمان، والتي جعلته يعيش في طائفية قاسية وضياع رؤية واختلاف تام في تفسير الأحداث.

أسسوا الإرهاب بقيادة نيكروبونتي ، أول سفير لهم جاء بخبرة إرهابي محنك من أميركا الوسطى، وخلقوا أبشع فرق الإرهاب من قاعدة وداعش لتمارس عنفاً أبشع! الجيش يعيث فساداً في الموصل والأنبار ويحرض الناس ضد الحكومة ليهيئهم ليقبلوا البديل الإسرائيلي “داعش”، وقوات سوات تهاجم بهرز وغيرها وتقيم فيها المجازر لذات الغرض، ويشكو البهرزيون الأبطال، ورغم الخطر الشديد على حياتهم، يقدمون أسماء من قام بإرهابهم لحكومة “ذليل العصر”، فيدير الأخير وجهه بعيداً لكي “ما ينطيهه”، فيتيح لاعداء البلد والشعب أن يفعلوا به ما يريدون. وقاوم الشعب وصمد، لكن إلى ان فهم ما كان يدور حوله ومن هم أعداؤه وأصدقاؤه، كان الكثير من الأذى قد حصل، وعانت النفوس من الكثير من الدمار والرعب والشك في المقابل وضاعت المقاييس وتأسست الرغبة في الإستسلام لليأس والقبول بإرادة العدو للتقسيم.

ثم زاد أعداء العراق حدة هجومهم فاحتلت فرقهم الإرهابية المدن العراقية بتماهي الحكومة وحمايتها للعملاء، وقامت أميركا بمساعدة عملائها الثابتين بانقلاب على الشرعية وغيرت ذليلها الأول، ووضعت على رأس السلطة حكومة أشد صلافة في مذلتها وتبعيتها، حكومة جاءت تحمل على كتفها منذ اليوم الأول مشاريع إسرائيل لابتزاز العراق وتحطيمه اجزاء. وضع العبادي لصاً على وزارة النفط، واعاد القوات الأمريكية ونشط في حملة اتفاقات مشبوهة مع عصابات المال في صندوق النقد الدولي، واتفاقات نفط مع عملاء إسرائيل من دول المنطقة، وبدون إطلاع الشعب ولا مجلس النواب… وبدا أن كل ما تحقق من مقاومة الشعب العراقي للشر، قد انهار وأن العراق في طريقه للإستسلام لقدره ليتفتت وليصبح إمارات تابعة لإسرائيل وبقيادة ذيولها، ويتحول كما تحول الذين من قبله من التابعين، إلى آبار تضخ النفط للشركات الغربية وتستورد السلاح ومفاقس لفرق الإرهاب الإسرائيلي لتهاجم بها من بقي يقاوم في المنطقة!

وفجأة وفي هذا المشهد القاتم، وكأن روح “نصر الله” قد بثت في شباب العراق، انطلق الحشد الشعبي ليغير المشهد ويبث الألوان فيه، وليتنفس العراقي الكرامة وينفض اليأس والذل، ولأول مرة منذ زمن طويل ، يشعر بالإعتزاز! 

كتبت منتعشاً: ” شيء ما حدث، وكسرت تعويذة السحر وانفجرت فقاعة داعش فانفجرت فقاعة الخوف والشلل وامتدت روح العزيمة من ساحات القتال إلى مجلس النواب وربما وزارة الدفاع. الأمل يطل لأول مرة على العراق شرط أن يستمر العزم وتستمر الجرأة.”.

وكتبت:  “أن فقاعة داعش قد انفجرت، وعندما تنفجر تلك الفقاعة فستفجرمعها فقاعات أخرى! وكنت أقصد بالدرجة الأولى فقاعة الطائفية التي انفجرت بالفعل، ولكن ايضا “فقاعة الإذلال” وتطبيعه والتي تعتمد عليها أميركا وإسرائيل وذيلهما كردستان في ابتزاز العراق وإقناع شعبه بالرضى بتحطيم بلده دون مقاومة”.

 

هذا ما شعرت به وشعر به الغالبية الساحقة من العراقيين من انقلاب هائل في المشاعر، يكفي ليفقد المرء توازنه بين هاوية المهانة والخوف وجبال الإعتزاز والأمل والحرص الشديد عليه. فنبهت في مقالي السابق “أن أغلب ما كتب عن قيام أعضاء من الحشد الشعبي بعمليات سرقة وانتقام في تكريت هي كاذبة ومغرضة، مثل تقرير من “عراق برس”، عن عمليات “حرق وسرقة واسعة شملت 80% من مباني تكريت! عدا الجانب الغربي الذي (كان) لا يزال تحت سيطرة تنظيم داعش!! (وواضح أن كاتب التقرير مندس يريد أن يوصل للناس أن داعش أفضل من الحشد).

لكني أشرت إلى “أن ليس كل الأقاويل عن تلك السرقات هي “أكاذيب مغرضة” للإساءة للحشد، وأن هناك بالفعل من يقوم بتلك الأفعال” وذكرت بتوصيات المراجع التي حذرت من “فتنة النصر” لأن “النصر في تكريت كان عراقياً بامتياز”، وطالبت “أن يثبت الحشد الشعبي الذي لم يؤسسه الأمريكان أو عملاؤهم، ان الأمر مختلف بوجوده عن تجاوزات الجيش وسوات وغيرها. وطالبت قيادة الحشد بالحزم مع حالات “التجاوز” التي أقروا بها، حتى إن كانت تلك التجاوزات حالات ثأر وتصفية حسابات بين ابناء المناطق كما يقولون.” لكي “يشعر العراقي بأن الحشد نواة الوحدة التي يمكنه أن يطمئن إلى الإلتفاف حولها والقتال في خندقها والتضحية في معاركها، ويطمئن إلى أن وطنه بخير برعايتها.” 

وقد أثار هذا النقد في الظرف الذي كتب فيه، بعض القلق، فكتبت سميرة محسن معلقة:

” الذي دفعني للكتابة الاحساس بالاهانة الشديدة لارواح شهداء الحشد الشعبي وشهداء سبايكر ونحن نكتب عن محل سُرق هنا و محل حرق هناك.  ارجو ان لا يُفهم من كلامي انني اُدافع عن عمليات السرقة و النهب او انني اُنزه جميع افراد الحشد لكن وجهة نظري هي ان هذه العمليات القليلة نسبيا لا تتناسب مع التضحيات الكبيرة لهؤلاء الرجال الابطال بكل معنى الكلمة.

هل ثمن ثلاجة او دولاب يساوي حياة انسان؟ هل تعلم انه في محافظتي بابل هناك عوائل فقدت اكثر من ابن و بعض العوائل فقدت الاب والابن معاً. و للذين يقولون انهم تطوعوا في الحشد من اجل الراتب اعرف بعضهم عاد من السويد كي يتطوع في الحشد ثم يستشهد لانه يؤمن بضرورة تلبية دعوة المرجعية. هل تعلم ان جنائز الشهداء بعض الاحيان تقف صفاً انتظاراً للتغسيل في النجف. ولم يحدث مثل هذا سابقاً إلا ايام حربنا مع ايران.

يجب ان لا ننسى ان اكثر من 1700 شاب ذُبحوا غدراً في تكريت و من قبل بعض اهل تكريت قبل ثمانية اشهر فقط ومع ذلك لم تسجل عملية قتل انتقامية واحدة.

قل لي بربك لو ان العكس قد حدث. اعني لو اهل الديوانية او الناصرية غدروا بـ 1700  شاب من اهل تكريت ثم بعد ثمانية اشهر جاء أهل تكريت كي يحرروا اهل هذه المدن من احتلال همجي متخلف؟”

 

مؤلمة ومحزنة هي مشاعر القارئة بلا شك، ولا شك أيضاً في أنها تعبر عن مشاعر الكثيرين من أهالي شهداء الحشد. ولا مجال للشك  أيضاً في صحة كل ما قالته السيدة سميرة والسيد نصير وخطورته. فقد أكد رئيس مجلس علماء صلاح الدين عبد العظيم حمد الجبوري، ان قوات الحشد الشعبي دافعت عن تكريت وعن ممتلكات مواطنيها، وندد بالحملة ضدها.

وهو ما أكده نائب محافظ صلاح الدين عمار البلداوي، حين ندد بـ”الهجمة الشرسة” تجاه الحشد الشعبي، معتبراً إياها تهدف الى “الإساءة” لعناصر الأخير و”ضمان” عدم تقدمهم لتحرير مناطق أخرى، فيما أكد أن بعض التصرفات “المسيئة” تنفذ من قبل “مندسين” في صفوف الحشد.

وهو تأكيد لما قاله محافظ صلاح الدين رائد الجبوري عن “وجود عصابات مندسة تنتحل صفة الحشد الشعبي، تقوم بأعمال تخريبية وحرق الدور والمحال للإساءة إلى صورة انتصارات الحشد الشعبي وتضحياته”.

 

لكن علينا أن نفهم أن هناك إعلاما آخر يعمل باتجاه آخر وهو في غاية النشاط. أنظروا مثلا إلى هذا الخبر الذي يناقض أعلاه والذي تنسب فيه “الخليج” بكل وقاحة لمحافظ صلاح الدين قولاً بأن: “الحشد” يواصل النهب والحرق في تكريت”!.

وأود أن اسألكم: ما الذي سيظنه الذين يقرأون صحيفة الخليج مثلا؟ كم من مثل هذا في العراق؟ هل من عجب أن نرى البعض يقف مواقف غريبة؟

الأعداء يشتغلون بهمة. فمثلما نحن قلقين ويصيبنا التوتر على آمالنا العظيمة بالحشد الشعبي، فإنه يثير قلقاً أكبر لأعداء هذا البلد وشعبه. فكل ما نأمل أن نربحه، يخشون أن يخسروه ، وهو ببساطة “العراق” كله! وتجارب العالم التي ينقلها لنا اليوم الدكتور حسين سرمك في سلسلة مقالاته القيمة “لا تثقوا بالولايات المتحدة” وما فيها من حقائق مخيفة منقولة اغلبها عن مصادر أمريكية موثوقة يؤكد أن مثل هذه الخطط الإبليسية هي دائماً الهدف الأمريكي في التعامل مع العالم الثالث بشكل خاص. عندما تقرأوها ستدركون أننا نعيش إحدى قصصها أثناء كتابتها في هذا الوطن!

إن إمكانيات الأعداء وسلطتهم على البلد قد حققت لهم الكثير. فيؤكد وزير الأمن الإسرائيلي السابق آفي دختر أنهم تجاوزوا طموحاتهم فيما حققوه في العراق: “الآن في العراق كردستان دولة كردية فعلا، تتمتع بكل مقومات الدولة أرض شعب وسلطة وجيش واقتصاد ريعي نفطي واعد، هذه الدولة تتطلع إلى أن تكون حدودها ليست داخل منطقة كردستان، بل ضم شمال العراق بأكمله ومدينة كركوك في المرحلة الأولى ثم الموصل، وربما محافظة صلاح الدين إلى جانب جلولاء وخانقين. حسب ما لمسناه خلال لقاءات مع مسؤولين إكراد لا يدعون مناسبة دون أن يشيدوا بنا وذكروا دعمنا ويثمنوا مواقفنا والإنتصار الذي حققوه في العراق فاق قدرتهم على استيعابه.”.

إنه لم يكن يكذب. وكيف يمكن أن يحققوا ذلك الحلم بضم كركوك والموصل وربما صلاح الدين وجلولاء؟ لا مفر من ان يكون ذلك بشق الشعب، وهذا الذي حققوا فيه ما هو أكثر من طموحهم!

 

لقد تم زرع خوف العراقيين من بعضهم وشكهم ببعضهم. وهكذا يتحول حرق وسرقة بضعة مخازن من أمر تافه أمام الإنجازات العظيمة للحشد، إلى خرق خطير على الجبهة النفسية للشعب. لذلك فأن في تكريت جبهتان يجب الإنتصار بهما، ومدينتان يجب فتحهما، هما: “تكريت الأرض” و “تكريت الناس”، وكذلك “موصل الأرض” و “موصل الناس”. يجب أن تؤخذ هذه بجدية تامة ويخطط لها كما يخطط  لتحرير الأرض، ويخصص للثانية كادر مناسب يركز عليها كما يخصص للأولى . ويأخذ هذا الكادر على عاتقه التخطيط المسبق والعمل الأمني الميداني والإعلامي اللازم لتسليط الضوء على الإيجابيات التي تدعم التلاحم من جديد. أن نعي أن امامنا مدينتين في كل مدينة، وأن لا فائدة من فتح الأولى دون الثانية.

من الجانب الآخر نأمل من اهل الموصل وبقية المدن أن يقوموا بدورهم في هذه المهمة الصعبة، وأن يشاركوا في صنع هذا الإنتصار، بالتغلب أولاً على مخاوفهم التي تشلهم، وأن يدعوا أهلهم ورفاقهم إلى ذلك، وبالمساهمة في معارك الحشد الشعبي والثقة بأن أخاك العراقي يفديك بنفسه إن احتجت إليه وأحسنت الظن به وعاملته بالمثل. وليس هذا تفكير تمن فكل الدلائل تشير إلى أن من أساء هم ندرة شاذة وأغلبها مدسوس قصداً. أليس عظيماً أن يحجم عن الإنتقام لجريمة قتل 1700 شاب بريء، تلك الجريمة التي أريد لها ان تكون الشرارة التي تشعل العراق، مثلما أرادوا لتفجير مراقد الإمامين العسكريين؟ من له ان يرى ذلك ولا يثق بمن يقف خلف هذا الإنجاز الكبير، ويفخر به؟ أم أننا لا نرى حجمه وقيمته إلا إذا أشعلت الحرب الأهلية الطاحنة وذقنا مراراتها؟ أيقارن هذا بحرق مخازن هنا وهناك أو كتابة شعار على مسجد أو حتى حوادث أكبر؟ إننا نأمل دائماً بالأفضل، وقد يدفعنا أملنا إلى التأثر بكل شيء والقلق من كل شيء، لكن هذا لا يجب أن يتعدى حدوده إلى التشكيك العام، فعلينا أن نبقي قياساتنا سليمة ونعطي الأمور أحجامها الصحيحة رغم كل المؤثرات النفسية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ألم يكن إنجازاً عظيماً ان تحرر مدينة بها كل هذا التوتر الطائفي والتاريخي بهذه الحوادث فقط؟ 

إنها مهمة شاقة حقاً، أن تخوض حربين كبيرتين في كل معركة، لكن من ينتصر بهما، فيحرر المدينة ويعيد لأهلها الثقة بطيبة ووحدة العراقيين، فإنه سيكون قد حقق لشعبه ووطنه ما لم يحققه له أحد في تاريخ العراق، في لحظة مصيرية لم يمر بمثلها هذا الوطن. لقد حقق الحشد حتى اليوم بهمة وبسالة أبنائه المعجزات، وإن أتم عمله المبارك ودحر داعش من أرض العراقيين ومن رؤوسهم، يكون قد حقق “ما لم نكن نحلم به”. إن أبناء الحشد أحق بقولها من آفي دختر، وهذا النصر المزدوج: إن لم يكن بالحشد فلن يكون أبداً!

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter