التاسع والعشرون من أيار.. محطة مضيئة في تاريخ نضال الشعب السوريعمران عيسى

دمشق/ سانا/ عمران عيسى: الأيام المشرقة في تاريخ الأمم الحية بوقفات العز والإباء والمضيئة بالتضحية والفداء تستعصي على النسيان وتبقى ماثلة في الذاكرة والوجدان تستقرؤها الأجيال وتستلهم مدلولاتها السامية.

والتاسع والعشرون من أيار عام 1945 الذي اتخذت قوى الأمن الداخلي منه عيدا سنويا لها كان أحد هذه الأيام الممهورة بدماء رعيل من شهداء الشرطة والدرك كانوا حماة للبرلمان آنذاك وقضوا كرماء في وقفتهم البطولية ضاربين أمثولة حية في الصمود والدفاع عن عزة الوطن وكرامته والتزاما صادقا منهم بإرادة المقاومة الشعبية طلبا للحرية والاستقلال .

لقد شكل التاسع والعشرون من أيار 1945 بأحداثه الدامية محطة مهمة بنضال الشعب السوري الأبي في مقارعة المستعمر الفرنسي الذي ما إن وطئت أقدام قواته المحتلة تراب سورية أواخر عام ثمانية عشر وتسعمائة وألف حتى جوبهت بمقاومة شعبية عنيدة امتد أوارها إلى كل شبر في أرض الوطن على مدى ربع قرن ونيف واستمرت بأشكال مختلفة فمن مواجهات دامية مع جنود الاحتلال أينما حلو إلى إضرابات شاملة واحتجاجات عامة..وبقي الأبطال السوريين يقارعون المحتلين ويقضون مضاجعهم ملحقين بهم الخسائر تلو الخسائر في الأفراد والمعدات إلى أن أجبر هذا المستعمر عام ثلاثة وأربعين وتسعمائة وألف على الاعترف باستقلال سورية .

لكن ما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في الثامن من أيار عام خمسة وأربعين وتسعمائة وألف حتى سارعت فرنسا إلى النكث باعترافها عودة منها إلى مسارها الاستعماري وعمدت إلى حشد المزيد من قواتها العسكرية وتصعيد استفزازها لمشاعر السوريين تعبيرا عن نواياها المبيتة لإخماد جذوة النضال الوطني وتثبيت أقدامها مجددا في سورية دولة مستعمرة تنهب خيرات الوطن وتستعبد أبناءه.

وفي التاسع والعشرين من أيار كثف الفرنسيون من دورياتهم العسكرية في شوارع دمشق ومختلف المدن السورية إمعانا منهم في الاستفزاز والاعتداء على الحريات والحرمات وطوقت مصفحاتهم مبنى البرلمان وسدت الطرق المؤدية إليه كما أرسل القائد الأعلى للقوات الفرنسية في سورية آنذاك الجنرال اوليفا روجيه تهديدا مباشرا إلى رئيس المجلس النيابي بالانتقام من المواطنين السوريين الذين هبوا ضد المستعمر الفرنسي واشترط عليه أن تقدم حامية البرلمان من رجال الشرطة والدرك التحية للعلم الفرنسي عندما ينزل مساء على ساريته فوق مبنى الأركان الفرنسية المقابلة للبرلمان.

وما إن قوبل التهديد بالرفض وامتنعت الحامية عن أداء التحية للعلم الفرنسي حتى باشرت الأسلحة الفرنسية صب حممها على مبنى البرلمان ووقف حماته يدافعون عن مواقعهم ببسالة وشجاعة نادرتين في معركة غير متكافئة ببنادقهم المتواضعة في مواجهة المصفحات والمدافع والرشاشات وكانوا ثلاثين في مقابل المئات وبعد ان نفدت ذخيرتهم وشبت الحرائق في المبنى وتهدمت أجزاء منه اقتحمه جنود الاحتلال الفرنسي المدججون بالحقد والسلاح وأجهزوا على من بقي من عناصر الحامية, ولم ينج من الثلاثين إلا اثنان نالت منهما الجراح وظنهما المستعمرون في عداد الأموات وهما الشرطيان ابراهيم الشلاح ومحمد مدور اللذان حملا لقب الشهيد الحي وعاشا إلى زمن قريب يرويان تفاصيل تلك الجريمة الاستعمارية السوداء وبطولات شهداء ذلك اليوم .

ولم يقتصر عدوان التاسع والعشرين من أيار على مجزرة البرلمان بل طال مدينة دمشق بأسرها وباقي المدن والبلدات السورية وفق خطة مبيتة وأوامر إلا أن هذه الأعمال لم تسعف المستعمرين ولم تمكنهم من إخضاع شعبنا الصامد وقهر إرادته الوطنية بل زادته إصرارا على النضال والمقاومة إلى أن تحقق له ما أراد بجلاء آخر جندي مستعمر عن أرض الوطن في السادس عشر من نيسان عام ستة وأربعين وتسعمائة وألف .

ولم يكن التاسع والعشرون من أيار بما جسده من وفاء للوطن وتضحيات في سبيل عزة سورية واستقلالها الموقف النضالي الوحيد لقوى الأمن الداخلي فكما قدمت التضحيات الجسام خلال سنوات النضال ضد الاستعمار الفرنسي كانت لها مواقفها المشرفة ومشاركاتها العملية في معارك فلسطين عام ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف وأبان حرب تشرين التحريرية عام ثلاثة وسبعين وتسعمائة وألف امتزجت دماء شهدائها بدماء أخوتهم من أبناء شعبنا وبواسل قواتنا المسلحة البطلة وها هي اليوم تجود بالشهداء والجرحى ووقفات الرجولة في مقارعة الإرهابيين المسلحين القتلة والمرتزقة والسفاحين أزلام قوى العدوان الأمريكي والاستعمار الغربي والصهيونية التي خططت للحرب الإرهابية الكونية القذرة ضد سورية بمشاركة سافرة ودعم وتمويل من أنظمة إقليمية وعربية .

إن الشعب السوري الذي صمد عبر التاريخ وقاوم وصارع الاستعمار الفرنسي حتى رحل يقف اليوم مع جيشه الباسل المعطاء وقواته الأمنية الشجاعة متصديا للإرهاب وداعميه ومموليه ومستورديه والمستثمرين فيه وسننتصر عليه .

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter