البحر صديقي شعر: أديب كمال الدين

1

اليومَ سأذهبُ إلى البحر.
2.
سأذهبُ إلى ساحله
وأمضي إلى نهايةِ الجسرِ المُمتدّ
في خاصرته السحريّة.
3.
سأجلسُ وحيداً بالطبع
منتظراً أنْ يقومَ مِن غفوته الأسطوريّة.
4.
سأصافحُه بشوقٍ ومَحبّة
وسألتقطُ معه صورةً تذكاريّة.
5.
سيكون معي واقفاً بملابسه المُدهِشة
وربّما سيرتدي البكّيني
على سبيلِ الضحكِ والقهقهة!
6.
سأحاولُ أثناء التصوير
أن أتلمّسَ لحيتَه البيضاءَ الطويلة
رغمَ أنّها مُبلّلة بالتأكيد.
7.
سأحاولُ أنْ أحدّثه
عن آلامِ الحُروفيّ الذي هو أنا.
8.
سأحاول،
فأنا متأكّدٌ أنّه لن يفهمَ هذه الآلام.
فهو لا يفهم في الحروبِ والدمِ والحصار،
لا يفهم في القتلِ والكراهيةِ والخيانة.
9.
البحرُ رجلٌ طيّبٌ ومُسالم.
10.
البحرُ رجلٌ طيّبٌ ومُسالمٌ حَدّ اللعنة.
11.
لكنّه يفهمُ في الغرقى.
12.
يفهمُ في جُثثِ الغرقى التي تنتشر
على جسدِه الهائل
حينَ تتحطّمُ مراكبُ اللاجئين الصدئة.
13.
يفهمُ آلامَهم،
وكثيراً ما يشاركهم الصراخَ الطويل،
والبكاءَ الأسْوَد،
والرعبَ الكونيّ.
14.
وأحياناً كانَ يحاولُ إنقاذَهم
فيرميهم
أو يرمي جُثثهم إلى ساحلِه الهائل
دونَ جدوى.
15.
سأحدّثُه عَن المطرِ الذي يحيطُ به أو بي،
عَن هلْوَسَاتِ الوحشةِ وصيحاتِ الدموع.
16.
سأحدّثُه عَن الزلازلِ التي تصيبنا معاً
كلّ سنةٍ مَرّةً أو مَرّتين
دونَ أنْ نموت
ودونَ أنْ ننجو.
17.
سأحدّثُه
عَن النساءِ العارياتِ اللواتي يفترشن
ساحلَه الكبير.
18.
سأحدّثُه، أيضاً،
عَن عشراتِ القصائد التي كتبتُها عنه.
وسأخبرهُ أنني وصفتُه
مَرّةً بالأبِ القاسي،
ومَرّةً بالمرأةِ المُطلّقة،
ومَرّةً بالشمسِ التي تغوص،
ومَرّةً بالجسدِ المَسحور،
ومَرّةً بالغريق،
ومَرّةً بالغريب،
ومَرّةً بالمجنون.
19.
سأحدّثُه طويلاً طويلاً
وسيصغي إليَّ بصبرٍ وهدوء.
نعم، فالبحرُ صديقي،
بل صديقي الوحيد.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter