الامام الخالصي: عماد الدولة القوية المستقرة المزدهرة: عدل للجميع وأمان للجميع

اكد سماحة الامام المجاهد المرجع الديني الكبير الشيخ محمد مهدي الخالصي على ان ديننا هو دولتنا وسياستنا، والسياسة التي لا تبنى على دين الحق هي سياسة باطلة وجائرة.
وقال سماحته في خطبة صلاة الجمعة في جامعة مدينة العلم للامام الخالصي الكبير في مدينة الكاظمية ببغداد : أريد أن أوجه كلامي إلى الدول الإسلامية، لا سيما في العراق، واقول إن الدعامتين الأساسيتين لإقامة دولة الحق هما:
1. إقامة العدل للجميع.
2. وإقامة الأمن للجميع بلا استثناء، هكذا كان رسول الله (ص) وعلى أساس هذا قامت دولة الإسلام، وانتشرت في مدّة قليلة لا تتجاوز الخمس وعشرين سنة، حيث امتدت حدودها من المحيط الأطلسي إلى تخوم الصين.
والتاريخ يحدثنا أن امرأة في عهد رسول الله (ص) قد سرقت وكانت من الأشراف، وأراد النبي أن يقيم عليها الحد، فأرسل قومها أحد أصحاب النبي المقربين ليشفع لها، فقال له رسول الله (ص): أتشفع في حد من حدود الله؟! والله لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت لقطعت يدها…!
هذا هو العدل، إن فاطمة (ع) لا تسرق، فهي سيدة نساء العالمين، ولكن النبي (ص) ضرب بذلك مثلا ليقول لنا أنه لا يجب أن تأخذكم المشاعر الإنسانية، وتكون حائلا بينكم وبين تطبيق الحق والعدل، فيجب أن تحكموا بالعدل حتى وإن تعارض مع مصلحة أقرب الناس إليكم.
فالعدل للجميع، والأمن للجميع لا أن أنتصر لأصحابي وجماعتي وطائفتي على حساب شرع الله.
واضاف سماحته: ولكن كيف لنا أن نعرف ذلك أو أن نعمل بالحق؟
واسترسل قائلا: يقول أمير المؤمنين (ع): (إعرف الحق تعرف أهله، لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الرجال بالحق)
ومسؤوليتكم أيها المؤمنون أن تبحثوا عن الحق بالتفقه في الدين لاجتناب علماء السوء وحكّام الجور، فقد سُئل رسول الله (ص): من خير الناس؟ قال: العلماء إذا صلحوا. فقيل من شرُّ الناس يا رسول الله (ص)؟، قال: العلماء إذا فسدوا.
ومسؤولية الأمة التمييز بين علماء السوء وعلماء الحق، والتمييز بين سلاطين الجور، وسلاطين العدل حتى يأخذوا دينهم من علماء الحق، وينصروا سلاطين العدل.
نعم هناك أبواق كثيرة تشوش على المتلقي كالفضائيات المأجورة والمدعومة من الغرب،ومسؤوليتنا كمسلمين ـ أعني المواطن في الشارع ـ أن لا نصدق بكل ما يُلقى إلينا، إنما نستمع القول فنتبع أحسنه:
فبشر عبادي ـ ماذا؟: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}الزمر18.
فالجهل بالحق يخلط عليك الأوراق ويقلب الموازين ويصور الحق باطلاً والباطل حقاً، وهو ما يجعل الإنسان الجاهل بدينه فريسة لذوي الأطماع والشهوات، والصيحات التي تطلقها هذه الفضائيات الضالة المضلة التي تدعو إلى الحقد والطائفية، فينفّذ ما يريده منه أعداء الله من دون أن يعلم، ولقد جاء في الأثر: (إذا أراد الله بعبدٍ خيراً فقهه في الدين).
ووجه سماحته نداء الى العلماء والحكام قائلا: يا علماء المسلمين أتقوا الله في الناس الذين يتقون الله فيكم، فالناس يُعظمونكم تقربا لله تعالى، فهل يجوز أن العلماء لا يتقون الله بالناس، فلا يبينوا لهم الحق، خوفا من الحاكم الجائر، أو طمعاً بما في يده من حطام الدنيا..؟! فاتقوا الله أيها العلماء ولا تشحنوا الناس بالطائفية والأحقاد، ولا تخلطوا عليهم الأوراق،،، ويا أيها الحكام:
اضمن لكم دولة قوية إن أنتم ضمنتم شيئين، عدلٌ للجميع، وأمنٌ للجميع، ولا تحيطوا أنفسكم بالأسوار والحراسات والحمايات، وتحموا المنطقة الخضراء بينما يقتل الشعب بأكمله.
لا تفرقوا بين أبناء شعبكم بحسب الانتماءات الطائفية والمذهبية والحزبية والفئوية، وأعلموا إن نصر الله قريب، وإنما نقول ذلك لأمتنا ولعلمائنا ولحكومتنا ولا نريد لهم إلا خيرا.
ولا تستكبروا وتتعالوا على سماع كلمة الحق، فاتقوا الله يا علماء المسلمين واتقوا الله يا حكام المسلمين.

وخاطب سماحته ايضا جميع المسلمين قائلا : أيها المسلمون أنتم مؤتمنون على دين الخاتم إلى يوم القيامة.
فكل المسلمين مستأمنين على دين خاتم الأنبياء، ولهذا فإن دوائر الكفر العالمي تحاسبهم على حمل هذه الأمانة وتناصبهم العداء لأنها تعادي كل الرُسل وكل الأنبياء، وكل ما جاء من عند الله بكتاب منير ودين قويم.
فأنتم ـ أيها المسلمون ـ أمناء الله على رسالته، لأن الله كان يبعث الأنبياء لتصحيح المسارات بعد انحراف الأمم عن رسالاتها، فلما اقتضت حكمته أن يختم الرسالات بنبيه محمد (ص) لم يغلق باب التسديد بل فتحه بعناوين أخرى وهي:
1. في المقام الأول يأتي الأوصياء من بعد رسول الله (ص) وهم الأئمة المعصومون (ع)، وكذلك أصحاب رسول الله الذين حافظوا على سنّة نبيهم الكريم (ص).
فلما اختار الله لنبيه جواره انتقلت الأمانة للأئمة الهداة من آله الذين أشار إليهم النبي بحياته، وأمرنا بالتمسك بحبلهم: (من كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه، اللهم والي من والاه وعادي من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله).
2. في المقام الثاني يأتي العلماء الصالحون، فهم مستأمنون على هذه الرسالة وتقويم هذا الدين ومنع انحراف الأمّة عن الثوابت التي جاءبها رسول الله (ص).
3. إلا إن قيام العلماء بأداء مهمة القيمومة على الدين لا يُخلي الأمة من مسؤولية حمل هذه الأمانة، فالمسلمون اليوم كلهم مطالبون بحمل هذه الأمانة، ولهذا من يُعاديهم اليوم لا يُعادي فئة من الناس بدعوى العنصرية ودوافع مصلحية واستعمارية صهيونية فحسب، إنما هو الشيطان يقارع الرحمن والغلبة للرحمن على الشيطان وإن كره الكافرون.
فهؤلاء الذين أساؤوا لرسول الله (ص) وأرادوا بذلك الإساءة لأمة رسول الله، الآن بأسهم بينهم شديد وسيأتي زمانٌ لا يجدون فيه مفزعاً ولا مأمناً ولا ملجئاً للخلاص من المشاكل التي هم فيها إلا دين محمد (ص).
وهي حقيقة تنبأ بها الكثير من عقلائهم ومفكريهم وكتابهم ـ الغربيّين ـ الذين طالب البعض منهم باعتناق الإسلام لأنه الحل الأمثل للخلاص من هذه المشاكل.
وأنتم أيها المسلمون أمناء على هذه الرسالة، ولكن كيف يتم هذا الأمر؟
إنه لا يتم من خلال دين مزيّف تملأه البدع والانحرافات والخرافات التي جاءت بها الأهواء، إنما يتم هذا من خلال الدين القيم الذي جاء به رسول الله (ص) وهذا يستدعي من المؤمنين أن يتفقهوا بالدين ويعرفوه على حقيقته، وأن يتعلموه ليتجنبوا الخرافات والبدع ولا يرتكبوها، وبذلك تكونوا مستأمنين على الدين، والله ناصركم بإذنه {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}الأنبياء105.
نحن نرى أن هناك عطشا شديدا، وشعورا بالحاجة إلى هذا الدين المنقذ، ولكن ما يقف حائلاً ويمنع اتباع هذا الدين هو البدع والخرافات، ولذلك يجب تنزيهه من هذه الخرافات التي جاء بها علماء السوء وحكّام الجور.
وإن اتخاذ هذا الدين وسيلة للوصول إلى المطامع الدنيوية هو ما يقف حائلا بينه وبين معرفة الناس به، فإذا تركنا المبتدعات والخرافات من الأمور، اجتمعنا على الحق الذي جاء به نبينا (ص)، وسار على هديه أئمة أهل البيت والصحابة الصالحون.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter