الأقلوية بين الاهتياج والاهتياج المضاد ـ العراق نموذجا ـ القسم الاولعبد الرضا الحميد

اذا كانت بعض المدونات الاسطورية ترى الارض واقفة على قرن ثور، فان العراق بتوصيفاته الحالية ، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية، الظاهر منها والراكس، يقف على قرن ثور هائج، قد يقذف به الى قعر لا متناه، ان لم يتم تشخيص الداء المفصلي المعقد واجتراح العقاقير الموضعية لاسباغ السكونية الابدية على هذا الثور.

وربما يعد موضوع (المكونات العرقية) و(المكونات المذهبية) من اخطر  الموضوعات المسكوت عنها في ايامنا المعاصرة وفي المنظور من مستقبلنا، بحكم تأثيرها على (التكوين الاهتياجي للثور) ، وهذا الموضوع يكاد ينفرد في ان يكون البؤرة المركزية لكل التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي اعقبت الغزو الاميركي الاطلسي الصهيوني للعراق في التاسع من نيسان 2003 ، بحكم انه كان البضاعة الاولى التي اجتهدت جميع الاطراف السياسية التي كونت مجلس الحكم سيئ الصيت في تسويقها لعاملين اساسيين هما: احتراس وتوجس مكونات هذا المجلس من بعضها ، والنية المبيتة سلفا لتكوين منظومة جماهيرية قائمة على (الاهتياج ضد الاخر)، ويندرج العاملان ضمن هواجس متعددة لعل الاقلمة بوصفها تأسيس لنمط اقطاعي جديد واحدة من ابرزها.

جميع من تسنم مقاليد الحكم في العراق عقب الغزو وجد نفسه جزءا من/ او اداة في برنامج اميركي غربي صهيوني لانتاج عراق جديد يختلف عن عراق ما قبل الغزو، بل يختلف عن العراق الحديث منذ تأسيس دولته الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، ووجد هؤلاء انفسهم يحكمون تحت ظل تداعيات جد خطيرة عن (منظومة الاهتياج) التي انتجتها (صراعات مجلس الحكم المعدة سلفا في اقبية ودهاليز مخابرات دولية)، فكيف تعاطى هؤلاء الحاكمون مع هذه التداعيات؟ وهل انتصفوا لوطنهم وشعبهم؟ وهل امسكوا بالخيط حاكمين ام محكومين؟ وما كانت حصة المكونات التي أبت الانسياق وراء منظومة الاهتياج ولبثت على (حكمتها وبياض وجهها وقلبها ويدها) في كبح جوامح الاهتياج عند غيرها ما استطاعت الى ذلك سبيلا.

هذه اسئلة واخرى غيرها حاولنا الاجابة عنها في هذه المحاولة التحليلية الفكرية الرصدية الواقعية.

***

لعل من أهم الموضوعات المسكوت عنها في الخطاب السياسي الاممي والعربي ، والعراقي خصوصا، موضوع الأقليات في الوطن العربي برمته والعراق جزء منه . هذا الموضوع الذي كاد يكون من محرمات الكتابة والبحث، أو على الأقل يفضل أن يكون من المسكوت عنه.. إذ لا تعد معالجة هذا الموضوع من النشاطات الفكرية البريئة، فهي غالباً ما تثير الريبة والشك، وتذهب بالظنون بعيداً.. خاصةً إذا كانت الأجواء السياسية غير عادية، ولأن الكثير من الدول العربية يمور في داخلها صراع أقليات كامن وناعم لم ينفجر بعد، ومن الممكن جداً أن يعبر عن نفسه بأشكال أخرى.. في أي لحظة.

كل هذا لم يجعل الاهتمام بمسألة الأقليات يحتل مكانة متقدمة في الفكر العربي أو المجال الأكاديمي والبحثي أو حتى في العمل السياسي المباشر.

يؤكد بعض المشتغلين على الحقل التحليلي لبنية المجتمع العربي، أن البحث عن حلول علمية وواقعية لمشكلات الأقليات من خلال التسامح والقبول بالآخر وتبني التعددية السياسية والثقافية؛ هو المدخل الصحيح لقيام دولة وطنية قوية يمكن أن تتجه نحو وحدة قومية شاملة ومستدامة، ولكن حين تنشغل كل دولة بأزماتها الداخلية.. خاصة المتعلقة بدمج الوحدات الاجتماعية والثقافية، فسنكون أمام دول ومجتمعات فسيفسائية مبعثرة تنقصها القدرة أو القوة الذاتية.

وفي تأريخهم لأزمة الأقليات في الوطن العربي يذهب باحثون الى ان النبي محمد (ص) في بداية التكوين الاولي للدولة الاسلامية كان يتخطى العصبية محاولاً تشذيبها وتوجيهها بحيث تقبل العيش في إطار سياسي واحد لا يلغيها بل يوازيها، وينظم علائقها بعضها ببعض، وبالعالم الخارجي، على أن تبقى العصبية ذاتها عماد التضامن الداخلي.. أن يمثل الإسلام فكروية الإطار السياسي. لم يكن هذا الانتماء وما قد يتبعه من عصبية معلناً، ولا جزءاً من تعاليم الدين الجديد، بل كان يدين مثل هذا السلوك باعتباره من بقايا الجاهلية، ولكن لم يغب عن التأثير في الصراع السياسي حول السلطة لفترات طويلة، وبعد ذلك كان على الدين الجديد تحديد علاقاته مع الآخر في مستويات أخرى حسب رؤية شاملة قسمت الناس في العالم إلى مسلمين وكفار وهم: ذميون ومشركون، ثم إلى دار الإسلام ودار العهد ودار الموادعة، ودار الكفر، ودار الحرب. وهناك ثلاثة فئات على الصعيد الديني؛ المسلمون وأهل الكتاب وعبدة الأوثان، أو الكتابيون وغير الكتابيين، وهذا التصنيف كان محط نقاش وتعديل وتغيير، حسب تغير ظروف الزمان والمكان، خاصة وأنه لم يوجد نص صريح يحدد كل فئة أو مجموعة بصورة قاطعة، ونتج عن ذلك تعدد المعاهدات والاتفاقات مع غير المسلمين، كما اختلفت المعاملة حسب الحاكم وحالة البلاد من استقرار وسلام وحرب وتنافس ورخاء اقتصادي أو ضيق، ومن هنا يمكن القول إن الدين الإسلامي القائم على عقيدة توحيدية كان عليه حين توسع من مجتمع المدينة لكي يصبح إمبراطورية تضم أصحاب مختلف الأديان والملل، وكثيراً من المجموعات الإثنية المختلفة والقبائل المتنافرة؛ أن يبحث عن صيغة تمكن كل هذا التنوع والتعدد من التعايش داخل الدولة الإسلامية.. دون الإخلال بالمبادئ العامة التي جاء بها الدين، وأهمها العدل والمساواة والتكريم. وهذه هي المعادلة الصعبة التي مازالت تواجه المسلمين – عملياً ونظرياً – فقد عجز الإسلاميون حين حكموا عن حل النزاعات الإثنية سلمياً، كما أن المفكرين الإسلاميين لم يقدموا اجتهادات عصرية مجمعاً عليها، أو يمكن الاتفاق عليها بقصد أن تعمم، وتكون وجهة نظر المسلمين عامة في التعامل مع الأقليات وبالتحديد غير المسلمين؛ ظل معلقاً، وبقي التجريب والخطأ هو مبدأ التعامل مع الأقليات.

وعلى الرغم من أن الحكمة في التعامل مع غير المسلمين قامت على البر بهم، وبالتالي الاتجاه نحو التسامح والقبول، إلا أن بعض الفقهاء والباحثين والنشطاء في العمل الإسلامي الحركي فضلوا انتقاء الأحكام والوقائع الاستثنائية التي تميل نحو التشدد والتضييق على غير المسلمين، وعدوها هي الأصول في معاملة غير المسلمين، وهذا ما يوصلهم إلى حلول ومعالجات خاطئة هي التي ادت وتؤدي بالتأكيد إلى الفتنة.

ولما كان الوعي بوضعية الأقلية في الحالة العربية/الإسلامية هو أشبه بالمياه الجوفية، موجود وغير مرئي، ولكن عند الحاجة يمكن التنقيب والحفر لإظهاره، فإن بعض المشتغلين العرب على هذا الحقل من ذوي الفرش النظيفة وبكثير من التأني في إزالة الغبار والأتربة عن موضوع الأقليات في الوطن العربي بعيداً عن معاول الحفر والتنقيب التي غالباً ما تؤذي مازالوا في دأب متواصل لمعالجة الاختلالات البنيوية في وعي المشكلة الاقلوية ووعي وسائل الخروج من عنق زجاجتها.. ولعل الدقة في العناية البالغة بهذا الموضوع الشائك تعود في المقام الأول إلى أن الوطن العربي يتميز بالتنوع والاختلاف والتمايز حيث أنه يضم عدداً كبيراً من المجموعات الإثنية والدينية والمذهبية رغم الحديث عن ثقافة عامة منتشرة حتى بين الأقليات، ولكن يرى البعض وجود علاقة معقدة تتمثل في وجود عنصرين في المجتمع العربي الإسلامي يعملان في اتجاهين متعاكسين.. ثقافة مشتركة أو اتحاد ثقافي قوي مؤثر على كل الجماعات الأخرى ذات الثقافات الخاصة من جهة، ومن جهة أخرى ميل بالغ الإفراط إلى الغلو الأيديولوجي في الفوارق بين الجماعات، لذلك لم يكن للتمثلآثار عميقة وواسعة في هذا السياق العربي الإسلامي، وفي محاولة لإيجاد الحلول لهذه الأزمة المستعصية على الحل؛ يذهب الخيار الانضج إلى أنه من ضمانات حلول مشكلات الأقليات قيام الدولة المدنية وليست الدينية.. أي التي تبعد الدين عن السياسة والدولة، لأن بعض المواطنين لا يدينون العقيدة نفسه، ويتحدث البعض عن عدم ديمقراطية مثل هذا الوضع، على احتمال وجود أغلبية تريد تطبيق الشريعة الإسلامية مثلاً وهنا تبرز قضية المواطنة.. هل تحدد حسب العقيدة والدين أم حسب الانتماء للوطن والقومية؟ هذه إشكالية تخضع الآن لكثير من النقاشات والحوار، وهناك اتجاه يقول بإمكانية التوفيق بين الدولة الدينية وحقوق المواطنة، إلا أنه وعلى صعيد الواقع والممارسة عجزت بعض الدول التي طبقت قوانين إسلامية عن احترام حقوق غير المسلمين وإشراكهم في الحكم بطريقة متساوية. ويبقى مطلب الدولة المدنية، هو المدخل لتعددية سياسية وثقافية تبعد أية احتمالات صراع تقوم حديثاً بسبب ظلامات العرق أو الدين أو الثقافة.

وهذا الرأي ينسجم مع ما افرزته سنوات العقد الاخير في اسهام آليات المجتمع المدني إيجابياً في اخفات مجامر التعصب، وفي الدول والحكومات التي تعتمد المعيار الديني قانونا اساسيا لها تقهر آليات المجتمع المدني – من أحزاب سياسية ونقابات على أنواعها وصولاً إلى الجمعيات غير الحكومية – فهي تحتكر صياغة الوجدان الإنساني والمفاهيم الجماعية، لذلك يسود التعصب في هذه المجتمعات، وتعم فكرة “رفض الآخر” فهناك علاقة وثيقة بين ممارسة الديمقراطية على كافة صورها، وبين توفير المناخ السياسي الملائم لثقافة “قبول الآخر” مما اضطر بعض الدول الغربية لأن تشكل آليات مراقبة انتهاكات حقوق الإنسان، أو متابعة ما يجري بالنسبة لاضطهاد الأقليات” وتصدر لذلك تقارير سنوية تسجل ما يسمونه (الانتهاكات) وهذه التقارير الدولية هي آلية ضغط معنوية هامة وغالباً ما يعقبها – إذا استفحلت ـ فرض عقوبات، ولكنها أمور ليست منزهة عن الهوى، وتشهد مرحلة ما بعد أيلول 2001 مزيداً من هذه الآليات الغربية. وتعد إثارة منطق الأقليات من أخطر الأمور على الأمن القومي لكل مجتمع ومن المداخل الهامة التي تتدخل فيها القوى المتحايثة لتحقيق أهدافها ومآربها وتخترق الأمن القومي وتحقق استراتيجياتها ومصالحها. فلا تخلو دولة في العالم من الأقليات ولكن مفهوم الأقليات في ظل مشاريع تفكيك الأرض والهوية والشعب بات يحتمل في بلادنا الكثير من المعاني المتناسلة، وكأن الوطن كله قد أمسى حيزاً لتداخل أقليات بلا هوية جامعة، يطغى فيها الخاص دوماً على العام.

والأقلية بالأساس إما أقلية عددية كبعض المجموعات العرقية أو الدينية ً، وإما أنها أقلية بحكم وضعها الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي المهمش بفعل طغيان الأغلبية المهيمنة، ولذلك، تعد المرأة في الغرب مثلاً أقلية مع أنها أكثر قليلاً من نصف المجتمع. وهكذا تصبح الأقلية أية مجموعة ترى بأنها تتلقى معاملة غير متساوية مع باقي المواطنين بسبب صفات جسدية أو ثقافية أو اجتماعية خاصة بها، حسب التعريف السائد للأقلية كما وضعه عالم الاجتماع الأمريكي اليهودي لويس ويرث. وسواء اعتمدنا مقياس الأقلية العددية أو مقياس التهميش، فإننا يمكن أن نشتق عدداً لا نهائياً من الأقليات عملياً من أية مجموعة تعتقد بأن لديها قضايا مشتركة تميزها عن غيرها, فالطلاب بهذا المعنى أقلية، وكذلك المتقاعدين… ومن يزاولون أية مهنة من المهن يبقون أقلية في المجتمع، وهناك أقليات اقتصادية مثل العاطلين عن العمل أو الفقراء من العمال (تمييزاً لهم عن العمال غير الفقراء)، وهذا ناهيك عن الأقليات العرقية أو الدينية، وهكذا، حتى تصبح كل جماعة أقلية وكل فرد جزيرة!.(يتبع)

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter