الأفعى

قصة : وليم سارويان

 

ترجمة : زعيم الطائي

هو يجتاز المتنزه الواسع عابرا في شهر مايو ،رأى افعى صغيرة تنساب بين الحشائش وأوراق الشجر ، فشرع يتبعها حاملا في يده غصنا طويلا ، وقد لازمته غريزة خوف الانسان الأزلية من الزواحف،فكر في نفسه .. آه ، يارمز الغواية،ايتها الشيطان،وبدأ ملامستها بالغصن فأنكمشت الافعى تتلوى ألماً ،رفعت رأسها ، ثم أنقضت على الغصن،وانطلقت هاربة بين الاعشاب،لاحقها بسرعة وقد تملكه نوع من الهلع، كانت شديدة الذكاء،ذات جمال أخاذ ،لذا قرر متابعتها وقضاء بعض الوقت قربها عله يكتشف شيئا لم يكن يعرفه .
الافعى الصغيرة ، البنية اللون قادته الى داخل المتنزه عميقا ،فأخفتهما بعيداعن الانظار كثافة الشجر ، شعر بالذنب لأساءته التصرف بشأن قوانين الحديقة وهو يطاردها،فأستعد لأعطاء نفسه اعذارا او لمن سيكتشف فعلته ،انا احد طلبة قسم السلوك الاجتماعي او كلية الآداب،او يعتقد انه سيقول انه نحات يقوم بدراسة هيكليات الزواحف،على كل حال ،فانه يود ان يوجد له بعض الأسباب الواضحة لأنه لايريد ان يعترف بأنه يبتغي قتل تلك الافعى .
دائرا حول الزاحفة المقاتلة، قافزا بين حين وآخر لكي يحافظ على الوضع الذي بينه وبينها، حتى تمكن اخيرا من استثارتها ، مجبرا اياها على التوقف امامه، بعد ذلك جلس مقرفصا على عقبيه لكي يلقي عليها نظرة قريبة، قابضا عليها بواسطة الغصن، خائفا من ملامستها بيده ، ان لمس افعى كلمس شيء بالغ السرية في العقل الآدمي ، شيء غامض لايمكن كشفه او تحديده او اخراج محتواه الى النور ، هذا الشيء الأملس الناعم المنزلق ،المتميز بصمته الفظيع ، كان في البداية انسانا ،والآن تشكل على هذه الهيئة ،هنا حيث الافعى مازالت تتحرك فوق اديم الارض كأنما لم يحدث لها ذلك التغير قط .
الرجل الاول والأنثى في العهد القديم ، قصة التكوين ، آدم وحواء ، مضغة الجنين البشري الاولى ،انها افعى بديعة بالغة الدقة والرشاقة،اخافه رعبها واصابه الفزع لمجرد اعتقاده ان كل افاعي الحديقة ربما ستأتي بهدوءلأنقاذ الافعى البنية الصغيرة ، وسيحطنه بما يميزهن من صورة الهلع الشيطانية التي لاطاقة له بها ، فهذا المتنزه الشاسع لابد يحتوي آلافا من الحيات المهاجمة بين ارجائه سيتمكن ببساطة من اصابته بالشلل الكلي ماان يكتشفن مافعله بالأفعى الصغيرة .
توقف في الحال ، وأخذ يجيل النظر فيما حوله ، كل شيء هادئ ،صمت توراتي يشبه ذلك الصمت الذي صاحب بدء الخليقة .
التقطت اذناه صوت تقافز طائر بالقرب منه مابين الغصون تحت العريشة الواطئة ، لكنه كان بمفرده مع الافعى وقد نسي انه في متنزه عمومي في احدى كبريات المدن ،عبرت احدى الطائرات السماء فوق رأسه ،لكنه لم يرها ولم يسمع لها صوتا ،كان الصمت شاملا ،وكانت رؤيته مركزة كليا على الأفعى التي امامه .
هاهو في الحديقة الواسعة بصحبة افعى ،بكامل هندامه ، عند البدايات من عام 1932. قرفص على اعقابه ثانية ،وبدأ متآلفا ، متوحدا برفقة تلك الافعى ، اثار ذلك الضحك في نفسه ، في داخل سريرته او خارجها ،متخذا نفس هيئة الافعى المتجسدة امامه كأنها جزء من كينونته ،منبطحا بشكل مستو ٍ على الارض ،رغم حصافته وفطنته ، متشظيا شيئا فشيئا وملتحما مع الوجود. ياله من احساس هائل ، في البداية لم يكن ليتجرأ على محادثتها بصوت عال ٍ ،ولكنه بمرور الوقت اصبح اقل خجلا ،فأخذ يكلمها بالانكليزية ، انه لمن دواعي
السرور ان يكلم المرء افعى ،جيد ، قال ، هاأنذا بعد كل هذه السنوات ،
رجل شاب اعيش على الارض نفسها ، تحت الشمس نفسها ، امتلك العواطف نفسها ، وها أنت قبالتي يحدث معك الشيء نفسه ،فحالتنا واحدة ، اذن مالذي قررت فعله ، الهرب ؟ لن ادعك تفرين مني ،
اخبريني مالذي يدور في خلدك ؟وكيف ستدافعين عن نفسك ؟ فقد
قررت القضاء عليك التزاما بمبدأ انسانيتي .
انتفضت الافعى امامه بيأس ، وكفت عن تحاشي غصنه بعد ان قاومته لمرات عديدة، وماعادت قادرة بسبب التعب عن درء أذاه ، ابعده عنها قليلا فسمع صوتها خافتا تقول: شكرا، بدأ يصفر لها بفمه ليرى هل للموسيقى اي تأثير على حركتها ،او ستدفعها للرقص ،انت حبي الوحيد ، اخذ يصفر عزفا لشوبرت من كوميديات فرقة نيويورك الموسيقية ،(حبي الوحيد …حبي الوحيد ) لكن الافعى لم تحرك ساكنا ولم يرقصها اللحن ،فكر ، ربما سيثيرها شيء من ايطاليا،راح يغني )
la donna e mobile 
  لحن المرأة المتنقلة )، متعمدا الخطأ في تلفظ
كلمات الاغنية ، متسليا باخطائه، ثم جرب ان يغني لها تنويمة لبرامز ، لكن الموسيقى لم تعد نافعة للتأثير عليها لانها بدت خائرة القوى ، خائفة ،وكل ماتريده هو الخلاص .
اندهش من فعلته فجأة ،فخطر في باله ان يترك لها فرصة للنجاة ، ويدعها تنزلق بعيدا لكي تضيع في ذلك العالم السحيق للنوع الذي تنتمي اليه ، ولكن لم عليه اطلاق سراحها ؟رفع حجرا ثقيلا من الارض وفكر ، الان سأقوم بتحطيم رأسك بهذه الصخرة لكي اراك وانت ميتة ،لكي اسحق من خلالك الشيطان الماهر الذي يتلبس فيك ثوب الخطيئة ،اقطعك اربا اربا لابعاد غوايات شرورك .
لكن الغريب في الامر انه لم يلق الحجر فوق رأسها ولم يسقطه من يده ،وبدأ فجأة يتملكه شعور بالأسى ، قال: انا آسف ،ورمى الحجر بعيدا ، : ارجوك ان تعذريني ، ارى ان الحب وحده مااحمله لك.. ثم حاول ان ينوشها بيده لكي يحملها ،وكله رغبة في فهم الحقيقة المتأتية من جراء لمسها ، لكن الأمر كان في غاية الصعوبة،فقد اخذت ترعب الافعى محاولته مد ذراعه في كل مرة ،واخذت تدير رأسها مستعدة للهجوم ( لااملك نحوك سوى شعوري بالحب ، لاتخافي ، لاتخافي ،فسوف لن اقدم على ايذائك) بعد ذلك قام برفعها من الارض ،لكي يتعرف شعور ملامستها الحقيقي، لكنه رماها من يده بسرعة ،هناك ، قال: الآن عرفت الحقيقة ، الافعى باردة ،ولكنها نظيفة ،وليست دبقة كما كنت اتوقع .وابتسم للأفعى البنية اللون قائلا :
(يمكنك ان تغادري الان ، انتهت اسئلتي الفضولية ، انك ماتزالين حية ،لقد كنت في حضرة الانسان ومازلت تتمتعين بالحياة ،يمكنك الذهاب الآن) لكن الافعى لم تغادر مكانها ،ولم تتحرك ،بعد ان غادرها الخوف الذي احسته في البداية ،اشعره ذلك بالخجل المرير لما فعله من اجلها ،فملأ نفسه الغضب ، فكر ، يايسوع ، لقد ارعبت افعى صغيرة ،
لن افعلها مرة اخرى ابدا ، ستتذكرني دائما مهيمنا فوقها . . خاطبها 🙁 اذهبي بحق السماء ،عودي الى فصيلتك واحك لهم ماشاهدته بنفسك ومارأيته بعينك، اخبريهم بماذا شعرت وحرارة يد الانسان التي تبعث المرض تقربك ،حدثيهم عن مشاعرك وانت في ذلك الموقف . ) فجأة اندارت الافعى عنه وتزحلقت متجهة الى الامام ،مبتعدة ،(شكرا لك ) قال لها ، وقد بعثت في نفسه الغبطة ،فبدا يقهقه وهو يلمحها تندلق بجسدها بين الاعشاب والاوراق ، شاقة طريقها بعيدا عن جنس البشر ، صرخ : رائع ، اذهبي واخبريهم انك كنت مع الانسان ورغم ذلك مازلت على قيد الحياة ، فكري بكل الافاعي التي عاشت وماتت دون ان ترى انسيا مرة ، فكري بماذا يعني لك هذاالامتياز. .
بدت له الافعى الصغيرة وهي تنأى مبتعدة ، كأنها تنشد جوها الاصلي الذي يبعث في قلبها الضحك والسرور ، أشعره ذلك بالبهجة والفرح ايضا فشق طريقه مغادرا، عابرا الممر المقابل .
في ذات المساء ، بينما كانت جالسة عند البيانو ، مبتدئة عزفهاالرقيق ، اسر لها : – حدث لي اليوم أمر مضحك .
تساءلت وهي مستمرة في عزفها : – امر مضحك ؟
قال: – نعم ، كنت اتمشى في المتنزه فصادفت افعى صغيرة ذات لون بني .
توقفت عن العزف وادارت رأسها نحو الاريكة حيث يجلس لكي تستطيع رؤيته : – افعى ، ياللقبح .
اجابها : – كلا ، كانت جميلة .
– ماذا عنها ؟
– اوه ، لاشيء ، فقد امسكت بها لفترة قصيرة ولم ادعها تفلت .
– ولكن لماذا ؟
قال: – ليس هناك سبب وجيه على كل الاحوال .
تمشت عبر الغرفة ،ثم جلست الى جانبه وهي تنظر اليه بغرابة ،قالت:- خبرني عن تلك الافعى …
– كانت لطيفة ، ولاتمت للقبح بصلة ، حين لمستها شعرت انها بالغة النظافة .
قالت :انا مسرورة جدا ، ماذا ايضا ؟
قال: لقد اردت قتلها ، ولكنني لم اقدر ، كانت جدا جميلة . . قالت : يطيب لي ان اسمع ذلك ، احك لي عن كل شئ.
– هذا كل مافي الأمر .
– لا ليس ذلك كل شئ ، اريد المزيد .
– كانت مسألة مضحكة جدا ، محاولة قتل تلك الافعى والتوقف عن المجيئ هنا ثانية .
قالت : ألم تخجل من نفسك ؟
– بالطبع ، اخجلني ذلك .
– ماذا بعد ؟ مالذي فكرت به، هل فكرت بي مثلا عندما كانت الافعى تسعى امامك ؟
قال: سيغضبك ذلك .
– اوه ، لايهم ، من المستحيل ان اغضب منك ، حدثني .
– حسن ، اعتقدت انك حبيبة ، ولكنك شيطان ماثل ، شيطان ، ألم اقل لك ان ذلك سوف يغضبك ؟
– وماذا ايضا ؟
قال : – ايضا انا لامست تلك الافعى ،لم يكن ذلك سهلا ،ولكنني التقطتها وحملتها بين يدي.
– مالذي دعاك لفعل ذلك ؟
– انت قرأت كتبا كثيرة حول هذه الاشياء ، فماذا يعني ذلك ؟التقاطي للافعى ؟
اطلقت ضحكة متذاكية ، بصوت خافت: – لماذا ؟ انه يعني ببساطة انك احمق ، يقول لماذا ، ياللروعة .
قال : هل ذلك طبقا لما جاء به فرويد ؟
ضحكت : نعم ، تطبيقا لفرويد .
قال : حسن على كل حال ، كان لطيفا اطلاق سراح الافعى .
تساءلت : هل قلت لي يوما انك تحبني ؟
– كان عليك ان تعرفي انني لاأتذكر شيئا ، ولا شيئين ،قلتهما لك .
قالت : لا ، انك لم تقل لي ذلك قط.
غرقت في ضحكتها ثانية ، وقد امتلأ قلبها غبطة بشكل مفاجئ له :
– انت دائما تتكلم عن الاشياء الاخرى ،الاشياء الخارجة عن مواضيعها ، الاشياء المثيرة للدهشة والتي تاتي في غير أوانها .
واستمرت تضحك ، قال هو : – مالذي تتكلمين عنه بحق الجحيم ؟
قالت : انا مسرورة كثيرا لانك لم تقدم على قتل تلك الافعى .
عادت الى البيانو ، ووضعت يديها برشاقة فوق المفاتيح :
– صفرت لها بضعة ألحان ، صفرت لها قطعة من شوبرت ، السمفونية الناقصة ،انا احب سماعها كما تعلمين ،أنغام الفرح التي يدعونها ( الازمان المتفتحة) الجزء الذي يقول ( انت حبي الوحيد ..انت حبي الوحيد ) وهلم جرا ..
بدأت تعزف برقة ، وقد غمرها شعور أخاذ بينما هو يتطلع اليها ، مصوبا نظراته نحو شعرها المنسدل ،يبصر محدقا بيديها ، عنقها ،
ظهرها وذراعيها ، شعرت به وكأنه يدرسها ،كما لو كان يدرس افعى

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter