اطفال أم الحضارات يهرقون طفولتهم على الارصفة


نادية العبيدي

بدأنا بالعد التنازلي لأستقبال عام دراسي جديد .. وكنت الحظ الاطفال الصغار متلهفين يركضون مع عوائلهم كي يقتنوا اشياءهم التي سيستخدمونها في ايامهم القادمة …!! والسوق مكتظ  بهم وبأشياء ملونة .. ومع انقضاء ايام عيد الفطر واشتعال اسعار البضائع .. كنا نتأمل ان تستعيد الاسعار عافيتها كي يتمكن فلذات اكبادنا من سد متطلباتهم الخاصة بالعام الدراسي القادم .. فهل تراها ستتحرك وزارة التربية وتساعد الطبقة الضعيفة التي لا يتمكن بعضها من ارسال اولادهم الى المدارس لتلقي التعليم اسوة بأقرانهم ..
ما اثار ريبتي وقلقي حينما التقيت بطفلة كنت اراها كل صباح وهي تركض بين السيارت المسرعة توزع الابتسامات الرقيقة المخلوطة والمعجونة بآهات خفية تختفي خلف غلالات من هموم واضحة تجسد واقع حياتها .. استوقفتنا وهي عارضة علينا بأبتسامة حزينة تتخطى حزنها الابدي قائلة (عفية خالة الله يخليج اشتري مني كلينكس احمر ومعطر).. وحينما سألتها هل استعددت للعام الدراسي الذي سيكون بعد ايام  ..!! صمتت وكأن الطير حط على رأسها وصيرها صنما مصنوعا من حجر الصوان ..!! وللحظة قالت لي بكلماتها البريئة لكنها بليغة بحد ذاتها تدعك تفكر بها حرفاً حرفا.. قائلة:
– وهل للايتام نصيب من التعليم ..!!؟
حط الطير على رأسي انا هذه المرة .. واضافت بالكلام قائلة :
– نحن هنا بالكاد نستحصل قوت يومنا .. ونتقاتل كي ننام على افرشة بلا اغطية او حتى وسائد .. بل انها احياناً تكون فراشا من الكرتون المقوى تطبع طياته على اجسادنا .. فكيف يمكن ان نفكر بالتعليم..!!
وغادرتني راكضة نحو سيارة اشارت لها واستدارت نحوي مبتسمة وهي تقول:
– سأتخيل اني سأذهب للمدرسة وذلك لاقتناء الكتب كي اضعها فوق الكرتون المقوى وارفع رأسي قليلاً عن الارض لعل البرد يخف في ليل الشتاء…
اصابني بالذهول قولها ولجمت كلماتها لساني وعقدته عن الرد…
حقاً .. هل للايتام نصيب من التعليم … كل يوم نرى الطفولة مسفوحة بأجرام قاس على الارصفة دون ذنب الا لانهم احبوا وطنهم ورفضوا مغادرته مع المغادرين دون سبب..!!
من هو المسؤول عن انتشار الامية وتفشيها كالمرض المعدي في بلاد رسمت اول حرف .. ونقشت اول كلم .. واينعت فيها حضارة اصبحت في ما بعد أم للحضارات ..!!
من ينقذ اطفالنا وبناتنا من الانحراف اذا لم يكن هناك مرب فاضل يستطيع ان ينفذ الى دواخلهم ويحول عقولهم الملأى بالغبار بسبب ما رأوه من مآس منذ نعومة اظفارهم ويأخذ بيدهم كي يعبروا الى بر الآمان ..
اتراه سيتوقف اكتحال العراق بأبنائه النابغين ويتحولون الى سلعة تباع بالمزايدة العلنية .. !!
كل يوم ترى الآفا مؤلفة من اولئك الذين افترشوا الارصفة واتخذوا السؤال حرفة لهم كي يتحصلوا على قوت يومهم دون جهد او تعب .. والامر من ذلك هو ان القسم الاكبر تدفعهم عوائلهم لممارسة هذا العمل المفزع  نسبة لاعمار الورد.. امتلأ قلبي حزناً واستعذت بالله نيابة عن الطفولة البريئة …
وبمحض الصدفة وحدها وانا امرق من امام مستشفى للولادة التقطت مشهدا مفرحا جداً ،  تصادف مروري من امام الباب الخارجي للمستشفى مع خروج ثلاث نساء يحملن بين ايديهن مواليد جددا … وتكرر هذا المشهد وحينها فقط تناسيت كل الهموم وقلت مع نفسي … الله الله بغداد مازالت تلد الحياة…
ش

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter