(ابو طبيلة) يعود لجولاته الليلية الرمضانية برفقة كلاشنكوف

كانت لصوت “ابو طبيلة” أو “المسحراتي”، نكهة بغدادية جميلة، وربما لم  يتمكن في ذلك الوقت أي صوت آخر من التسلل إلى سمع الإنسان في منتصف الليل ليجبر الفرد على النهوض.

“ابو طبيلة”، هذا الرجل النحيل المسكون بإيقاعات شعبية وتراثية ودينية، يبثها في أصداء الليل قاطعاً الشوارع والطرق والأزقة، بطبلته الصغيرة ودقّاتها، ينادي “اصحى يا نايم.. سحور” أو يردد اغاني ذات نكهة رمضانية.

وفي بغداد، بالرغم من المحاذير الأمنية، ونتيجة للوضع الأمني المتدهور، مازال “ابو طبيلة” ينقر على طبلته ليوقظ النائمين لوجبة السحور.

وينقل علاء، أنه شاهد “ابو طبيلة” ينقر على طبلته ويرافقه شخص مسلح، لتوفير الحماية.

فيما ينقل جمعة وهو يقوم بمهمة “ابو طبيلة” أنه قام بالتنسيق مع القوات الامنية في المناطق التي يدور في ازقتها لايقاظ النائمين، وهو معروف لديهم.

قرون عدة وما زال الرجل يطوف بطبلته ينقر عليها، قاطعاً سكون الليل، لا يترك منزلاً إلا دق طبلته أمامه، منادياً أصحابه بصوته الجهوري وذبذباته البعيدة المدى، الكثيرة الألوان، بتنويعات لحنية مرتجلة.

ثلاثون يوماً بالتمام والكمال هي أيام شهر رمضان، وتضاف إليها ثلاثة أيام للعيد هي عمر مهنة “ابو طبيلة” التي لا تحتاج إلا لمؤهلات بسيطة أهمها الصوت الجهوري، والذاكرة الجيدة لحفظ الأسماء، والقدرة على الارتجال.

وقد اختلفت المهنة شكلياً من مكان إلى آخر إلا أنها ظاهرة عربية بامتياز لا يخلو منها بلد عربي.

بدأ المسحراتي بمصر في عهد الخليفة المنتصر بالله (222-248 هـ) عندما لاحظ والي مصر عتبة بن إسحق، عزوف الناس عن السحور، فأمسك عصا خشبية عام 238هـ وطاف شوارع القاهرة يطرق أبواب النائمين يدعوهم للتمسك بسنة الرسول عليه السلام.

وبمرور الزمن انتشر كتقليد إلى بقية الدول العربية، ثم تطور المسحراتي على رغم محافظته على الشكل التقليدي من الجلباب والطبلة.

وبتطور الزمن استطاع العديد من الفنانين والمخرجين والشعراء، أن ينقلوا صورة المسحراتي بشكل دقيق إلى ميكرفون الإذاعة ثم شاشة التلفزيون، ليجسدوا الشخصية بحسب بلدتها ومنطقتها.

ومع كثرة الوسائل التكنولوجية التي تساعد الإنسان على الاستيقاظ كالمنبه والموبايل والآيباد والتابلت وغيرها، والتي يمكن أن نحمّل عليها تطبيق المسحراتي بدقات طبلته وأهازيجه ومدائحه بأصوات المطربين، باتت هذه المهنة التراثية مهددة بالاندثار.

كما أن تغير نمط الحياة وثورة وسائل الإعلام، جعلا الناس يسهرون إلى الفجر يتنقلون بين برامج المنوعات وعشرات المسلسلات الرمضانية فلا يحتاجون إلى مسحراتي.

وتجدر الإشارة إلى أن ثمة محاولات للحفاظ على هذا التقليد، فهناك بعض الأصوات المسحراتية التي لا تزال تجوب شوارع الريف والأحياء الشعبية في إصرار كبير على المقاومة، خاصة أنها تجد من يتقبله

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter