إلى أين تمضي الرسائل؟ كاظم حسونيكاظم حسوني

هكذا في كل صباح، تخرج المرأة بعد انبلاج الشمس بقليل سالكة في كل مرة طريقاً مغايراً اتجاه الساحل، لئلا يلحظها أو يلاحقها أحد، تتوارى خلف أستار، الأشجار بعجالة، تهتز قامتها المديدة ويتطاير شعرها مغطياً جزءاً من وجهها حقيبتها الجلدية المحشوة بالأوراق تثقل كتفها. يشدها المكان تنتشي كلما تقترب من عطفة النهر، حيث تنأى الخطى ويطل وجه الماء بزرقة عميقة قبل أن تصل، تتريث في مشيتها ثواني، تمرر نظراتها في عدة اتجاهات لمرة أخيرة، ثم تنزل إلى النهر، تهبط مترددة وجلة على المنحدر الصخري وصدرها المكتنز يهتز باشتهاء مع اندفاعات جسدها الفتي، يختل توازنها قليلاً لكنها تتقدم بخفة قطة، تدنو أكثر، تحاذي الماء تماماً، تحدق طويلاً أمامها النهر الممعن في تلونه، اللامستقر، تتملى إيقاعاته الهادئة وعمقه.. تنتظر.
تنتظر، ثم فجأة تترك حقيبتها على الأرض تلم أطراف فستانها فوق فخذيها تلتذ ببرد الرمال في باطن قدميها قبل أن يجذبها الماء ويغمر ساقيها، تنحني تجذب حبلاً سميكاً من الليف تقبضه بكلتا يديها تسحبه بقوة فتطفو للتو على السطح المائي شبكة صيد مترامية الأطراف، تبدأ تلف الحبل في حلقات وتجذب الشبكة بحركات عنيفة مباعدة ما بين ساقيها لارتكاز جسدها في الماء، ينفلت فستانها يطفو مثل مظلة في الماء ثم يلتصق ما بين فخذيها، تتثاقل تحث خطاها معطية ظهرها للنهر، متجهة نحو الشاطئ فيما تشدد قبضتها بأطراف شبكة ثقيلة متدلية في الماء تحملها فوق كتفها لترتقي بها إلى الضفة وتلقي بها على الرمل، إلا أنها سرعان ما تهبط ثانية إلى المياه الراكضة هنا وهناك تخوض طمى الحافات، ترفع ثوبها المبتل كي لا يعيق حركتها حين تبصر صناديق خشبية مغلقة صغيرة تتراقص فوق مويجات الماء تندفع لاهثة وراءها تحيط بها من كل جانب وتعيدها إلى الضفة لئلا يحملها ارتداد الموج ويعيدها إلى مجرى النهر، عندئذ تحل رباط الحبال تفتح الشبكة تنتشل الأسماك الناطة المرتعشة وتطلقها إلى المياه، ترمي مستعمرات الطحالب والأوساخ بعيداً لا تبقي إلا على الصناديق فحسب! فيما يداها تبحثان خلال النسيج مثل يدي صياد محترف وهي تخرج المربعات، تنفض عنها الماء تقلبها بقلق وتضعها على الأرض الرطبة مكونة أمامها صفوفاً طويلة من مربعات خشبية متشابهة تزيح الشبكة جانباً تشرع بفتح أغطيتها تباعاً، تستل أناملها رزم الأوراق تبدأ بفك أحزمة أخرى قبل أن تثبت قصاصات مدعوكة مبتلة وتنشرها بعناية فوق ذرات الرمل، ثمة نوارس على مقربة تتقافز وتلتقط أوراقاً متسربة من بعض الصناديق المهشمة العائمة التي تداعبها أنامل الموج قرب الجرف، حين رأتها هرعت نحوها حافية وشعرها يتطاير اختطفت ما لفظته مناقيرها من نتف الأوراق التالفة! وأعادتها وغطت بها سطح الرمل وإذ يعتكر مزاج النهر تضج المياه فتتلقى صناديق الخشب ضربات شديدة فتنقذف إلى عمق الماء. تلقي التفاتة خاطفة، لا تقوى أن تتخلف برهة، تخلع ثوبها للتو، تضحى عارية إلا من لباس السباحة وتندفع نحو النهر سابحة بكل المهارة التي تمتلكها، تضرب المياه بقوة تتقاذفها لجج الموج، تجدف عكس التيار معترضة سبيل الصناديق الهاربة المتراقصة فوق كرات موج سريع متلاحق تتعقبها تبذل جهداً مضنياً لانتزاعها من أيدي الماء ثم تتحرى المياه لعدة دقائق قبل أن تحتضنها بذراعها وتسبح متجهة بها نحو الشاطئ لارتقاء حافة النهر، حينئذ يبرز ويلتمع جسدها العاري المبلل وقد غمرها وهج الشمس قبل أن تخف لارتداء ثوبها وتتربع على الأرض الرطبة، تلم الصناديق حولها وتفرغ محتوياتها على الرمل، تتناول أكداس الأوراق المتلاصقة المبتلة تعمل أناملها في انتزاعها عن بعضها بتأن قبل أن تثبتها فوق جسد الرمل ورقة جنب أخرى بدقة متناهية، لتنهمك في برهة تالية بتسوية منبسط الرمل الهش بأصابع مرتجفة لتجعل منه أشبه بسطح منضدة أملس كيما يتيح لها أن تلصق ما في حوزتها من رزم مستطيلات الورق المبتل لتنشئ منه مظلة بيضاء واسعة تشع في الشمس أو يتكامل بين يديها بهيئة جدار ناصع البياض منحدر مع الضفة قبالة النهر! إذ ذاك تتراجع قليلاً إلى الخلف تتملى التشكيل تبقى عينيها على مربع البياض الكبير الذي صنعته بنشوة، أخيراً تجلس على مقربة إذ يكون بمقدورها أن تتطلع الى الأوراق تقرأها متلهفة تتشرب نظراتها السطور المشوشة الضائعة التي تسيل أحبارها كالدموع، وإذ تلاقي صعوبة تنتشل فجأة من باطن الرمل عدسة مكبرة تضعها أمام عينها وتنهمك في القراءة مجدداً، تمضي تبحث عن قصاصات معينة تحتوي على خطوط ناعمة هي رسائله! فيما تلامس نهايات أصابعها مئات البطاقات الصغيرة والأوراق التالفة بحذر، صفوف لا حصر لها من قصاصات مدعوكة ونتف ممزقة تحاصرها وتمتد حولها لمسافة واسعة فوق أديم الرمال كشراع كبير. ممنية نفسها أن تعثر أو تفوز على رسالة واحدة منه قد وصلتها عبر الموج في الصناديق! ومع أن عملها لا ينتهي إلا عند حدود المساء لكنها تكتشف مع دهشتها كما هو شأنها كل يوم أن الصناديق لا تمنحها سوى فيض رسائلها وبطاقاتها ذاتها التي عبأتها وأوثقتها بما يثقلها من الحجارة وأودعتها النهر نهار أمس. ووجدتها في انتظارها طافية فوق المياه هذا الصباح. رسائلها التي واظبت بحماس على متابعة بعثها كل يوم إلى زوجها المختبئ هناك في قيعان الماء! إنها لم تكن تشك لحظة في أنه لن
يتجاهل أو يحجم قط عن مخاطبتها ومبادلتها الرسائل قائلة: أليس هو نفسه الذي كان فيما مضى يجيبني عشرات المرات عبر بطاقات ملونة حال تسلمه رسائلي خلال رحلاته المجهولة كلما اهتديت إلى المكان الذي حط فيه! نعم رسائلي ستسره كثيراً إنه يعلم أني مقيمة أبحث في متاهات الجروف لأجله). لقد تأكدّت من أنه سيترك رسائله في صناديقها المسافرة عبر المياه كما طلبت منه ذلك، مرددة (أريد له أن يكتب شيئاً صغيراً، ولو تحية) ثمة زورق مهمل يرسو على مقربة منها يعتليه طائر صغير ذو ريش أزرق يضرب منقاره الخشب، ينتفض يخفق بجناحين مثقلين لوقت طويل دون أن يطير، تتطلع إليه. ينظر إليها يرى أشياءها تهمس (هذا الطائر، شهد كل شيء)! ودون أن ترى انطفاء النهار تصحو متأخرة لدنو المساء عندئذ تفتح حقيبتها، تستل بعناية نضدا جديدة من الأوراق. تكورها وتودعها في الصناديق الفارغة ملقية بها من أعلى الضفة إلى أشداق الموج، ملوحة لها بكفها ونظراتها ساهمة إذ تغمرها مويجات الماء بعد ذلك تزيل عن شباكها ما علق بها من عفن وطحالب وتصلح ما تمزق منها، لتنهمك بالعمل في نصبها بمحاذاة الشاطئ ومد أطرافها لأقصى مسافة فوق سطح المياه كدأبها كل مساء، أخيراً تصعد المدرجات والصخور حيث تسلك طريق عودتها إلى البيت يغلفها حلم الكتابة، عشقها العظيم، إذ يتسنى لها أن تذرف خلاصات روحها تتفوه بأحلامها تصرخ في وجه الورق تنتحب أو تضحك في مدى ساعات الليل منفقة مئات الأوراق التي غص بها البيت كما غصت بها الضفاف! حتى تطامنت نفسها هاتفة (لا بد لرسائلي التي تحتشد هناك في الأعماق أن تنتزع رسائله إني لا أطمع بأكثر من رسالة واحدة.. هاتف واحد) ها هي ذي قد اهتدت أخيراً إلى شراء رزم بطاقات أنيقة ملائمة لذوقه ولأن أوراقها لم تعد تتسع لما لديها من الصناديق لذا اقتنت أعداداً أخرى أكثر إحكاماً لا تتسرب إليها المياه. اقتطفت حزماً من زهر القداح الذي يحبه وضعته بتأن بين الرسائل حيث سينضح عطرها الأبيض على الأوراق، هاتفة (أكيد سيغتبط بسعادة يحرضه عطرها ويغريه ومن فرط نشوته سيتحدث ويكتب) أحضرت هدايا دون أن تعبأ لما تناهى إليها من تشابك الأقاويل التي سرت كالريح الساخنة قائلة (يقيناً إنه يحيا في الماء، إنه رجل غير عادي بالمرة، شاذ يمضي وقته في النهر أكثر مما هو على اليابسة، مشرد لا بيت له. لكنني كنت أحب جنونه، رغم أنه كان يخيفني بوساوسه وأحلامه نعم لقد فعل ذلك من قبل في مرات كثيرة وتركني أنتظر، هكذا يتوارى مثل دخان. يغيب طويلاً لكنه يعود فجأة ولا أعرف من أين جاء! وفيما مضى وفي مثل هذه الصباحات كان يصحبني إلى هذه الشواطئ، ندخل النهر معاً، أتردد أضطرب لكنه يختطفني مرة واحدة وينطلق بي فيما أتشبث بعنقه معيقة حركته، خفت أن تكون قد أصابتني عدوى جنونه ذاتها حين اكتشفت أن الجسد السابح كالطائر تماماً يخفق بذراعيه وهو يجوب سماوات المياه. كان يقول ونحن عند الضفاف:
ماذا تعرفين عن حيوات النهر؟ عن محار الشواطئ عن هذا الطائر الصغير الذي لا يغادر القارب قلت في الحال لعله طائر يريد اختطاف القارب ! ضحك ملء فمه. وقادني من يدي، مضينا نتسلق الصخور نقتطف ثمار الأشجار غير الناضجة ونلوكها بصخب ثم نخرج في رحلة طويلة عبر الشوارع). فيما نشرت المرأة شباكها على الضفاف وأتمت على أكمل وجه تنسيق ولصق مظلتها الورقية مغطية أوسع مساحة من رمل الشاطئ. ثارت رياح عاتية فجأة كنست ورق المظلة وبعثرته رفعت أكداس الأوراق والصناديق المتراكمة على مر الأيام في امتداد الجروف ورشت بها وجه الماء بسيل أمواجها فغطت النهر، كما حلقت في الرياح أسرابها كطيور بيض أو سحب فضية سرعان ما تهاوت متساقطة في البيوت والمحال والشطآن حين شهدت المرأة كل ذلك خلعت ثوبها بعجالة ورمت نفسها في مياه النهر كطائر رشيق لمنازلة الموج والريح.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter