أنسي الحاج والكون الذي يعاني إنفصاماً في جُزئياته .. قيس مجيد المولى

تُثبت المعاني ضمن بدائل مرجعياتها  للتأثير في القوى المضادة والتي تعني أن هناك العديد من الكلمات المستخدمة التي تحاول أن تصنع لها وجودا ضمن الصور الشعرية وبلاشك فأن طبيعة التجربة الشعرية وأنسيابيتها في قنوات الوعي وما تملكه من قدرة في إطلاق الطاقات التي تعمل سوية لأخراج الصور الشعرية بما أراد أنسي الحاج ليتضح من ذلك أن البناء الشعري في مجمل نصوص الحاج يقارب شكلا من الأشكال الهندسية غير المنتظمة على أساس أن الرؤيا الكونية للشاعر تؤمن بأن الكون هو الأخر يعاني إنفصاما في جزئياته ويمكن للأشياء غيرالمنظمة في حدودها القصوى أن تعطي تفصيلات موجزة وتخلق تتابعاتها ضمن إناءها المختبري الذي يعمل على تغيير الأسس النحوية والتركيبية والمعجمية للغة ووضع هذه اللغة ضمن المدارك النفسية لتجنب عرض الواقع والإنتقال إلى تمثيل المصادفة لإعطاء العبارة وضعها المستقل وقدرتها التعبيرية وهو يعني أن تحولا تداخليا يحدث أثناء عملية الإشتغال وهذا التحول التداخلي أيضا يعني في إحدى حيثياته تجنب إتصال الصور الشعرية جنبا إلى جانب في محاولة مقصودة سعى اليها الحاج للإفلات من السرد والوقوع تحت ضغط الزمن الواحد والوحدة الطولية ذات الأبعاد والغاية المحددة أمام قدرته على القطع والإنفصال والإيجاز وإحلال صيغ أخرى للمعاني ليعني لنا ذلك أن هناك جهدا كما عبر عنه فوكو لإكتشاف مايمكن وراء واجهة اللغة بقدر أو بأخر إستحداث منظومة جديدة لتشويش اللغة أي أن نظام الحاج اللغوي لايبنى على وضوح العلاقات الخارجية في اللغة أو حتى دقة ماتعنيةالأشياء المجردة مادامت مناطق الإدراك قد تخلت عن خصائصها وأستحدثت خصائص جديدة يعني  أن عملية التخيل فيها عبارة عن ترجمة فورية للمدركات النفسية والعاطفية لاتتصل بوسائل زمنية أو نظام ما وتناظرات ولزوميات إيقاعية بل الى حد ما الرغبة في الغاء التسلسل الزمني الذي يهئ به الحاج إنكار العالم وهذا الإنكار في مجمل نصوصه يرد ضمن أسئلته الشائكة تحت ظل بنية شعرية مضطربة تنحو دائما للإفلات من إكتمال الشكل والتوازن تحت ضغط القدرة على الإمساك بالمؤثر والحاج يعي ذلك يعي بأن شعره ذات حاجات ميتافيزيقية كل ذلك من أجل إدراك العالم اللامرئي  إدراكه بالهمس بالنبرات بالصراخ الخفي بالسخرية وادراكه بتنافر العقلانية والهزلية بالمعطيات المقدسة والمعطيات المبتذلة والشيطانيةلكسب التوالدات غير العفوية في الصور الشعرية في صراعتتها اللامحسوسة لكثرة ما تزخر به المفردات المستخدمة من معان سحرية واستقبالات متجددة للطارئ واللامعقول :

يوم، يا غيوم
يا صُعداء الحالمين وراء النوافذ
غيوم، يا غيوم
علِّميني فرَحَ الزوال!
* * *
هل يحِبّ الرجل ليبكي أم ليفرح،
وهل يعانق لينتهي أم ليبدأ؟
لا أسألُ لأُجاب، بل لأصرخ في سجون المعرفة.
ليس للإنسان أن ينفرج بدون غيوم
ولا أن يظفر بدون جِزْية.
لا أعرف من قسَّم هذه الأقدار، ومع هذا فإن قَدَري أن ألعب ضدّها.
هـلـمّـــي يا ليّنتي وقاسيتي،
يا وجهَ وجوه المرأة الواحدة،
يا خرافةَ هذياني،
يا سلطانةَ الخيال وفريستَه،
يا مسابِقةَ الشعور والعدد،
هلمّي الى الثواني المختلجة نسرق ما ليس لأحد سوانا.
وهْمُكِ أطيبُ من الحياة وسرابُكِ أقوى من الموت.

* * *
إسألني يا الله ماذا تريد أن تعرف؟
أنا أقول لك:
كلُّ اللعنات تغسلها أعجوبة اللقاء!
وجمْرُ عينيكِ يا حبيبتي يُعانق شياطيني.
تُنزلينني الى ما وراء الماء
وتُصعدينني أعلى من الحريّة.
أُغمض عليكِ عمري وقمري فلا تخونني أحلام.
يا نبعَ الغابات الداخليّة
يا نعجةَ ذئبي الكاسرة
مَن يخاف على الحياة وملاكُ الرغبةِ ساهرٌ يَضحك؟
لا يولد كلَّ يوم أحدٌ في العالم
لا يولد غيرُ عيونٍ تفتِنُ العيون!
نظرةٌ واحدة
نظرة
وعيناكِ الحاملتان سلامَ الخطيئة
تمحوان ذاكرة الخوف
وتُسيّجان سهولة الحصول بزوبعة السهولة!

    ولاشك هناك كَماً من الخطوط الرئيسة في النتاج الشعري لأنسي الحاج ومنها لابد من وجود فكرة  مجتزاءة الأوصال أي لابد من وجود أفق عائم ما كي يُهي موجوداته التي تنسجم مع تلك الفكرة وأحيانا وضمن البدء بالأنتاج تنتابهُ نزعة عدم الإكتراث بالوصول الدقيق للتلاقي مع تلك الفكرة الرئيسة ونزعة عدم الإكتراث تلك (indifferentism)تُعبر عن حالات الإنفعال غير المتوازن
الذي يلحق بالمخيلة شيئا من الإضطراب عند التعامل مع الصورة (image) وكذلك الصورة المجازية(imagery)
ورغم مايولده هذا الضغط على المخيلة فأنه يمنحها بنفس الوقت قدرا من التحول (metamorphosis)وهذا التحول لايعني تحولا كليا عن الفكرة الرئيسية لكنه إمساك بصور أخرى نقيضة تنسجم في تناقضها مع مايسعى إليه في إخفاء الطابع الخارحي-التخارج – (externalization)
إخفاء البنية الظاهراتية وبقدر محسوس وبالتالي فأن المسافة تضيق أحيانا بأتجاه معلوم وتنفرج أحيانا بأتجاه غير معلوم لتتسع دلالة الفكرة الرئيسية أو تتشظى إلى أفكار أخرى ليظهر النص وكأنه معبأ بمجاميع متنافرة ومتقافزة من الدالات غير المنسجمة بالكلية ولكنها منسجمة ضمن مفهوم الجزئية وهذا بدوره يضع الشاعر أمام إختيار التوقف لحظات زمنية أمام العقل وتقييم المنتج لإجراء الإصلاحات اللازمة كي يبدو النص رغم تلك الجزئيات المتفرقة يبدو كوحدة متجانسة وأن ساده شئ من الغموض والإلتباس (obscurity )وهو متأت من تلك المفارقة التي أحدثتها تشظي الفكرة الرئيسة وأحتقان الجزئيات بسحر الأوهام  والمغالطات الوجدانية والتي بنيت في الأصل على مايقدمه الشطح الخيالي من متنافرات صورية ولغة غيبية مشحونة بالعاطفة وسجالاتها
بعد تأزيم الجانب الإنفعالي كنتيجة طبيعية لذلك التشتت والرغبة في إستحضار ولادة مبكرة ومقنعة للمُنتج،
 وقد يكون التعبير (  (expressionيجمع مابين الفكاهة والسخرية الحادة والقصد الحدسي
 بنزعات ذاتية خالصة بمزاوجة اللاعيني مع الكلي العيني (concrete universal )وهذا مايُعين أنسي الحاج للوصول  الى النقطة الحاسمة
لإرغام القوى القوى غير الفاعلة أو على أقل تقدير لإضعاف سطوتها على المخيلة وبالتالي رفع القدرات التحسسية في النص من خلال سطوة الجانب الجمالي والذي سيكون نقيضا لكل الأشياء التي لاتنسجم مع قدرات الموجودات التي تشتغل بقدراتها التوافقية ضمن مستوى غير مقدر من الإنفعال والخيال وما ينتج في لحظتها من الأفكار والرمزيات وهي بذلك الوصف أشياء تتنافر مع الواقع كون القصد اللاشعوري شريك متمم للنقلات النوعية التي تستلها المخيلة من  هوس مخلفات العقل الباطن إذ ذاك تحصل القناعة قناعة الشاعر من الخروج  عبر حطامه إلى الجمال الفائق ( (supernatural beauty،وهو بذلك قد بلغ القصدية الشعرية  ضمن جمالها الخالص سواء ذلك في ماذا فعلت في الذهب أو في فراغ أو أخاف أن أعرف أو الرسولة بشعرها الطويل أو خواتم والطير الأسود وفي نحسب الفراغ نبيذاً:

كان صوتك هضبة تُغطّيها المياه
وكانت مراكبنا سوداً
أراضينا بوراً
شموعنا صخوراً.
كُنّا نُخطئ بالصغيرة والكبيرة
نحسب الفراغ نبيذاً
والرملَ على الرمل: القمحَ والذهب.
وكُنّا نَحفظ الأوراق لنَحفظ
ونَعبد الآثار لنعبد
ونُخبّئ لنُخبّئ،
حتّى جئت
فلم ننظر إلى ما كان
غير نظرة!
ولمّا البحارُ تشقّقت
وأشَعَّ صوتك
هَوَينا إليه كمياه.
صرت المياه
صرت المطر
ونزل الوقت
نُزول الرعاة من الهضبة.

يسمي الحاج في ذلك رمزيته ونواتها في ذاته الغامضة ضمن عالم يحيله الى  عالم متهور وأليف يقع في نقطة اللايقين مابين البدائية والتحضر  وبهذا يقدم الحاج طعناته لضجيج الإيقاع الصوتي وللنص المنظوم والى القوى المكررة وغير الفعالة في اللغة والى تلافي الوعظ والإرشاد والتفسير وضمن مرتكزات إرادته الواعية والتي هي إحدى متطلبات الحداثة الشعرية تبلور وعيه تجاه ما يعنيه التمرد كناتج أساس يصل من خلاله الى الفوضى المحررة التي تعني إستكمال شروط التنسيق الجمالي المتميز بعد أن تخطى الحاج عيوب اللغة وطغيان الشكل وفخ الموروث  ،

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter