أمارات الحريم المتحدة

عبد الرضا الحميد

ومن مصائب امة العرب أنها ابتليت بعوائل ذات هجنة، فلم تحز من العروبة قيمها ولا حضاراتها ولا رسالاتها ولا نبل فرسانها ولا عفة شجعانها ولا حكمة حكمائها ، ولا نصح ذوي قرآنها وكتابها، رجالها رعاديد ، جبناء، يستمطرون عداء العدو على بني جلدتهم، ويمضون بين يديه غلمانا وحريما وقردة وببغاوات، حتى يحيل مضارب أخوتهم هباء في ريح صرصر، ويهتك حرماتهم، وينال من أعراضهم، وينهب خيراتهم، ويشيع في أنحائهم الموت والفساد والغدر والغيلة.

 

وأوجع ما في هذا المصائب أن هذه العوائل ركبت في زمن السهو والغفلة على أعناق العرب، وجلست فوق عروش ممالكهم وأماراتهم ، وصارت تسومهم الخسف والهوان، بل تستولد الخسف والهوان بهم إن نأيا عن ديارهم، فليس في دينها ـ هذه العوائل ـ الا الطاعة لآلهة الفحشاء والخنا والمحرمات من أقصى كبائرها إلى أدناها، وإلا الولاء لطواغيت الزمن وشياطين العصر.

 

أسميت كيانات هذه العوائل ذات مرة في حوار إعلامي بـ ( أمارات الحريم المتحدة) فاحتج محاوري بان أبراجهم قاب قوسين أو أدنى من أبراج نيويورك وطوكيو ولندن وباريس، فقلت له : ( وقد كانت لملك الفرس والاحباش قصور منيفة وقلاع حصينة ومدائن عامرة وقتما كان النبي الصادق الأمين يبني بيته بيديه من الطين، وفاز بيت الطين وتخلد ليس في حيزه ونوعه إنما في الإنسان، واندرست القصور والقلاع، ولبث محمد(ص) عنوانا أول للإنسانية في اجل تمثلاتها ، تخلده البشرية على تعاقب عصورها وأجيالها ، وتدين بدينه وتنهج نهجه، وذهب الكسرويون والنجاشيون إلى مطامر النسيان).

 

وقال محاوري إمعانا في احتجاجه: ( ولكنهم دعموا المقاومة العراقية ضد الاحتلال وناهضوا تغريب العراق عن أمته) ، فقلت له : ( حاشا للمقاومة العراقية أن تمد يدها للقردة ، وحاشا لها أن تلوذ بمالهم عن فقرها وحصارها ، فلولا حصارهم عليها وإمعانهم في إفقارها ، وإعانة العدو المحتل عليها ، لما قدر للمحتلين أن يبقوا كل هذا الزمن ، ثم كيف تتأتى لهذه القردة قدرة دعم المقاومة وهي التي مهدت الأرض للغزو ووهبته القواعد والبحار ودفعت له ثمن كل صاروخ هتك ليل بغداد وأحال أجساد طفولتها إلى أشلاء على المباني وأعمدة الكهرباء والسيارات ، تماما كما تفعل الآن بأهلنا في ليبيا الشقيقة ، إذ ما من حاملة طائرات تتحرك نحو سواحل ليبيا، ولا طائرة تطير في أجوائها، ولا صاروخ يطلق على طرابلس وسرت، ولا قنبلة تقذف على مصراتة واجدابيا، ولا جاسوس وعميل وإرهابي يتمرد في بنغازي، إلا بأموال شعبنا العربي في الخليج التي استولت عليها غصبا وسلبا قردة أمارات موزة والحريم المتحدة).

 

قال محاوري: كيف رأيت ذلك؟

 

قلت: انتهج الظلاميون والأعداء التاريخيون للأمة من الغرب الصليبي والصهاينة نهجا كشفه كتابهم ومفكروهم ومؤرخوهم يقوم على صناعة أدوات لهم تقوم مقام القردة والببغاوات ، تبدأ في تقريبهم للناس على أنهم الحماة للوطن الأباة فيه حتى إذا اطمئن العوام لهم، حركوهم باتجاه أهدافهم ، وهكذا فعلوا مع أمارة موزة وبوق الجزيرة وأمارات الحريم المتحدة، إذ هيأوا لهم مناخا ظن معه الناس أنهم ناصحون للأمة، فلما مالوا إليهم، حركوهم باتجاه إسقاط الأمة على مراحل، وهكذا كان غزو العراق، وهكذا هو العدوان على ليبيا ، وهكذا هي المؤامرة على سورية).

 

وقلت له: إن خلاص امتنا من هذه العوائل القردة لا يتحقق إلا عبر فعل شعبي عربي عارم يستعيد الشعب من خلاله سلطته على نفسه ويماثل ما فعله يزيد بن مزيد بقرد احد الخلفاء اللاهين المتسلطنين ، إذ تقول الرواية انه كان عند هذا الخليفة قرد يخدمه ثلاثون رجلا، وكانوا يلبسونه لباس الناس ويقلدونه السيف، وإذا ركب ركبوا في خدمته وإذا دخلوا عليه قبلوا يده! فجاء يزيد بن مزيد يوماً إلى فسطاط الخليفة فأتوا إليه بالقرد وأمروه أن يقبل يده فشقّ عليه ذلك وجرّد السيف وقطعه نصفين وانصرف. فبعث إليه الخليفة وعاتبه فقال: يا أمير المؤمنين أبعْدَ أن أخدم الخلفاء أخدم القرود! لا والله أبداً)

 

 

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter