ألرأس ناشفة الليلة

علي السوداني

أريد الليلة أن ألعب لعبة لذيذة حلوة مسلية . سأعمل المقص في ورق أبيض . شرائط طويلة ستصير تالياَ ، قطعاَ صغيرات واحدتهن مثل نصف ابهام . ألف قطعة . لنجعلها ألفي قطعة . سنلعب ونلهو كلنا . أقصد العائلة . نحن ستة وسابعنا لعبة منتظرة . سيأخذ كل واحد منا ، حفنة وريقات ويرسم فوق الواحدة ، حرفاَ عربياَ مستلاَ من سلة الثماني والعشرين . أنا اعرفها كلها مرصوفة بمخي على ذاكرة طقطوقة ” أبجد هوز ” ونؤاس يجيد حتى الآن رسم نصفها . علي الثاني الذي ما زال يلثغ بالزاي ، حفظ منها ثلاثة حروف كانت كافية لبناء مفردة ” دار ”  كنت أنا معلّمه الذي كاد أن يكون رسولا . اشتريت لوحاَ أسود صغيراَ اسمه ” سبورة ” ومسمرته فوق حائط فائض مشمور خارج المجال الحيوي لعيون العائلة . بعد كارتونة طباشير وخريطة من أعصاب تالفة وتلويحات بعصا الأبوة الرحيمة ، خرج الولد الغض بثلاثة حروف بنت له داراَ . كان بمستطاعي أن أبني له وطناَ من واو وطاء ونون ، لكنني خفت على قلبه الرهيف من غدر الحنين ونواح الذكرى . الباقون تدبروا أمرهم وما كادت الليلة تأفل حتى اكتظ سطل الحصاد بمئات الحروف المبعثرة والمكرورة . تعب وتثاؤب ونعاس لذيذ جرّ رفقتي المبروكة الى مهاجعها وخلفني وحيداَ بمواجهة سطل الحروف والجنون وصياح الديك وتمجيد المآذن . سأفتتح اللعبة فوراَ . سأمد يدي وأخمط من معدة السطل كمشة حروف ، وألظمها قدامي مسحولة من يميني صوب شمالي ، ثم أقوم برسم الجملة أو الكلمة المشكّلة على ورقة جديدة . مرة . مرتان . عشر . مائة . نصف ألف ، حتى جاء زمان الحصاد والمعاينة . كلمات وطلاسم وهمهمات وخربشات وضحكات وكشوفات . تلك كانت أخير خديعاتي التي تضحك على القارىء وتجره الى غواية القراءة الحالمة بدهشة متأخرة لم تحدث . حان الآن ميقات ركن الأعتذار . في مبتدأ الليلة ، كان مخي ناشفاَ وروحي محطمة وجسدي منهكاَ وحيلي مهدوداَ واللغة حارنة كما بغل مهان فوق سفح جبل ، والجريدة تريد مكتوباَ والرعية تطلب ضحكاَ والفكرة ليست بيميني ومانشيتات التلفزيون القاسية ، استباحت خدّي وصيّرتني مصفعة . المصائب كلها جادة وبارود الحروف يسخم الوجه ويفني القلب . دروب مغلقة وزرائب موحشة كأنها سن يأس مبكر . البدايات تفضي الى النهايات . النهايات ثقيلة ومروعة ومذهلة . الغايات تسوغ الوسائل . الوسائل مرعبة . في ليلة بعيدة عميقة ، كاد بدر شاكر السياب يموت من قهر انولد على دكة معزوفة مطر . الليلة ، أكاد أموت من يباس الفكرة وجدب المعنى . لست متيقناَ من أي شيء . الصفحة لم تكتمل بعد . أحتاج سطرين أو أربعة كي أزرع نقطة المنتهى . حسنا . سأواصل الحشو . عبد الحليم حافظ مطرب عظيم . لا انسى أبدا منظر محمود المليجي وهو يحرث الأرض بأظافره . سيخ الكباب بمطعم حجي حسين طوله ذراع . انفنت على واقعة ويكيليكس عشرة أيام . أنزعج جداَ من المشهد التمثيلي المنفر الذي يحدث بين المذيع والمذيعة قبل نشرة الأخبار بعشرين ثانية . الرازونة هي كوة في جدار طين . شوربة العدس أطيب من شوربة الحنطة . أول البارحة فقدت تلفوني . سينما بابل خزان ذاكرتي البهيجة . فلافل ابو سمير تقع في شارع سينما الخيّام . التدخين يقصف القلب ويقوي المشهد .  زائدة دودية . اظفر مشلوع . مصور فوتوغرافي في حديقة مهجورة . ملابس عيد مستعملة . دار دور . نار نور . قراءة وحساب . مائدة نزهت . منظر سمكة حية تشتريها ، فيهطرها البائع بمطرقة على رأسها ، فتموت ، فتعود بها الى عيالك ، فتقص عليهم قصتها ، فيعافها الكل ، فتسقفها انت على نار هادئة ، فتحمر وتنضج وتتعطر ، ومع أول لقمة من وسطها ، ستحس بطعم الزقنبوت المر ، فترحل وتنام على وجهك . شكرا لله . شكرا لكم . انتهى المكتوب بقهر وبكاء . تصبحون على خير .

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter