أزمة الديمقراطية الغربية

إن المراقب للمشهد الديمقراطي في العالم اليوم ، يدرك تماماً أن العالم يعيش حالة من التأهب والإستعداد ، لتجاوز حاضره  الملىء بالزيف والخذاع ، ويعبر نحو مرحلة أخرى ، تستبدل فيها المفاهيم ، وتكرّس لخلق حياة ديمقراطية حقه ، ديمقراطية  تستحضر كل الافراد ، ضمن نظام متكامل البنى ، يمكّن الجميع من المشاركة المباشرة في اتخاذ وضع كل القرارات التي كانت حكراً على حفنة قليلة من المجتمع ، لاتتميز عن باقى أفراده في شيء ، اللهم إلا في بعض الخصائص المادية ، التي هي مبعث وأساس بناء نظم الحكم التقليدية ، والتي لم تفلح كل المحاولات المبذولة من قبل منظريها ومؤيديها ، في الخروج بها من الاطار الطبقي القديم ، الذي يرتب المجتمع وفق تركيبة ماديه بغيضه.

 

حيث يصنف على أسس ، الاثرياء .. والفقراء – النبلاء .. والعامة – الحكام والمحكومين ، وهو ما أفرز حالة من الاشمئزاز والرفض ، أسهمت في تأجيج وانطلاق الثورات التاريخية التي حاولت وبما أدركت أن تعدل الأمور بموازين العدل والانصاف ، فأدخلت التحسينات ونظمت  هيكلة الدولة وفق شكل جديد أضفى بعض الجمالية على المشهد الديمقراطي.

 

غير أن جوهر النظام الطبقي ظل نقطة ارتكاز لكل الأنظمة التي تلت تلك الثورات وهو ما أدى إلى نشوء حالة جديدة من عدم الرضا نشاهدها متجسده في عديد مظاهر الرفض التي تطرأ في عالم اليوم وبصورٍ  مختلفة .

 

لقد استفاقت الجماهير المغيبة ولم يعد بالامكان الهاؤها من جديد ، أو مماطلتها ، بأى من أساليب التحايل التي أعتادت أنظمة الحكم التقليدية أتباعها أو أستحداثها لذات الغاية المتمثلة ، في تخديرها وتسكين فورانها ، عبر مايسمى ، بالتغير والاصلاح والتجديد ، فالجماهير لم تعد تنساق خلف الشعارات البراقة ، ولاتقنع بالحلول المجزئة والمؤقته … لقد سئمت كل تلك الالاعيب ، بعد أن جرّبت لزمن طويل تصديقها ومسايرة صانعيها حتى ترى إلى أين تنتهي … ولم تنته  بل تمادت ، وتمادت إلى الحد الذي أحتقرت فيه الجماهير وسفّهت أحلامها وحاولت النيل من كرامتها .. مما كرّس لانطباع عالمي واحد ، صادت معه النظم النيابية والاحزاب هياكل ميته لاتحيا إلا باختلاق الاكاذيب والتدجيل على الشعوب ، ودلالة من دلالات الخراب ، ونذير شؤم ، لايحط في بلد ، إلا ليجر عليها شتى أنواع المشاكل ، والصراعات والانقسامات حتى بين أفراد الأسرة الواحدة .

 

إن مظاهر الرفض التي تجتاح مناطق مختلفة في العالم لدليل قاطع على مآزق الديمقراطيات التقليدية ، وعلى مدى عجزها في إيجاد حل تتوافق فيه الأنظمة مع شعوبها ، لانها وبكل بساطه ، لازالت تعتمد في طرحها على أمكانية استغفال الشعوب وتطويعها بطريقة أو بأخرى لتكون مجرد عنصر مكمل ، تفرض ضرورة الزيف حضوره ، في أوقات معينة ، ليصادق على مشروعية تلك الأنظمة ، .. على أساس أنها تحكم بالوكالة عنهم وبرضاهم .

 

غير أن حتى هذا الأمر المتمثل في تفاعل الجماهير بشكل إيجابي مع عمليات التصويت والانتخاب ، صار لايحدث إلا بنسب متواضعه أو معدومه ، نتيجة عزوف الأغلبية المرجوه عن مجرد الحضور ، وهي في ذلك أنما تعبر عن رفضها وعدم اقتناعها ، وليس كما تدّعى الانظمة ، وتعلله بقصور الوعى لدى العامة بأهمية الدور الذي تلعبه ورقتهم الانتخابية في تحديد سياسات بلدانهم !!

 

ويمكننا هنا التساؤل .. كيف يمكن لورقة أياً كان حجمها ، ومهما كان نوع الكلام المخطوط فيها ، أن تحدد سياسات دوله ما ، ولمدة أربع  أو خمس  سنوات متتالية حسبً ما تقتضيه تشريعات تلك النظم ؟ إذا كان الأمر وطوال تلك المدة خاضعا تماماً لأمزجة الناجحين بالزيف أو عن جداره في العمليات الانتخابية ، ولما تمليه عليهم مصالحهم في الكسب المادي وفي الحفاظ على مواقعهم ، دون أن يتذكروا أي وجهٍ  من تلك الوجوه التي تكلفت عناء التفكير إن فكرت قبل أن تضعها ورقتها المحملة بكثير من الاحلام والأماني التي تتبدى لهم أخيراً كم هى ساذجه ، إذ أنهم تخيلوا انفسهم يحققون من خلالها الرخاء  والسعادة .

 

 ولعل المفارقة التي أكثر ماتدعو للضحك والتندر ، هو اعتبار اللحظات القصيرة  التي يضع خلالها الناخب « كمايسمونه» ورقته في الصندوق» بالمشهد الديمقراطي البليغ المعانى » وهو في الحقيقة إن دل على شئ أنما يدل على مدى الاستخفاف الممارس على الناس ، إذ كيف يتم تعويضهم عن غيابهم  الطويل عن مجرد حتى أبدء الرآى في أي من آمور الدولية التي هم مواطنوها إساس البناء فيها ، بمجرد الحضور الخاطف على مسرح الحياة السياسية ، وإلانكأ من ذلك كله أن يكون ذات الحضور في أغلب الأوقات لمجرد تلميع الصورة الباهتة دون إقامة أي اعتبار لما حملته ورقة الناخب المسكين الذي  لجم بخيارين لا ثالث لهما أما «نعم» أو «لا» .

 

وفي خضم مشاهد الديمقراطية التي تتباهي بها أنظمة الزيف وتصفق لها دون خجل أو ورع هو اصطفاف الاحزاب كل في وجه الآخر يقتنصون أخطاء بعضهم البعض ويضخمون الصراع الذي لابد أن ينتهى إلى التقاتل إن لم يكن بالأحذية فبالسلاح تتعطل مصالح البلاد وتقفل على نفسها دائرة التخلف والفساد وتضيع في الخضم مصالح المواطن .

 

إن كل هذه المشاهد التي تمثل واقعاً عالمياً مترديا، من السهل جداً أدراك أسبابه واستخلاص نتائجه، انما هي تؤسس لمرحلة أخيرة في الصراع الإنسانى من أجل الديمقراطية ـ مرحلة قد يفصلنا عنها مزيد من التململ والترقب مع الملاحظه والبحث وأخيراً اكتشاف الحل واتباع الطريق  لبلوغه ، ولن تكون الطريق في كل الحالات مفروشة بالورود والرياحين ، إذ أن الصراع لازمة لابد من خوضها ولو بدرجات أقل حده مما جرت عليه العادة في الصراعات الإنسانية الحاسمة ، فالصراع هنا لم تمثله قلة من الفئات ، أو مجموعة من الأحزاب من ذوي الرؤى المختلفة شكلاً والمتطابقة معنى وغاية .

 

إنما سيكون بين طرفين لاثالث لهما ، أولهما الأغلبية التي يشكلها الشعب وهو الذي سيبادر ويطالب  بالتغير الجذري عبر أي وسيلة  أما الطرف الثاني فهى القلة المسيطرة والمستفيدة ، وهي التي ستمثل الحصن المدافع عن قيمها ، وبرغم افتقارها للقوة والمبرر إلا أنها سترمى كل أوراقها ، والتي ستكون خاسرة جميعاً في مواجهة ضغط الطرف الأول الذي لن يخفى   إلاّ بنيله  لجميع مطالبه المتمثلة في المشاركة في تقرير المصير.

 

بناء على ذلك فإن على العالم أن يترقب فيضان الجموع الذي سيغرق جميع أشكال الزيف والتدجيل عليها ، على العالم أن يتهيأ تماماً لأنه وإذ كانت حالة الوعى لازالت قاصرة عن ملامسه الحل إلا أن الوعى بإيجاده تبدو مسألة ملحه و مهمة إنسانية كلما توسع نطاقها كلما اقتربت لحظة الحسم المرجوه لصالح الإنسان إينما كان

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter