أدباء المراحيض وتاريخهم الفطيس !!

عبدالرضا الحميد

 

 

حدث ان دهمت غبراء موت بلادنا في الغاربات من السنين فطأطأت رؤوس ادباء لها، ومالأتها رؤوس، وزمرت لها رؤوس، ورقصت على انين اشلاء قتلاها رؤوس ،وكنا وحدنا، ثلاثة ورابعهم انا(1)، نؤلسن حقيقة ان (الاديب ضمير الامة وشاهد العصر) فنتخفى في مقاهي الرشيد والباب المعظم، لنخرج من بين اكمام المحنة كائنا، مرة بعنوان ( قصة) ومرة بعنوان( نص) وثالثة خاتمة بعنوان (مرأى)، ونذهبه بين الناس مكتوبا بخط اليد تارة ، ومسموعا باصواتنا تارة، ومطبوعا ،رغم انف الرقيب وحتف غبائه ، في صحف ومجلات لها شرط وعسس ورقباء وشمامون وسميعون.

لم نبال رغم ان الموت لصق أضلعنا ان يأتينا من قبل او من دبر، فما لذة حياة اديب دون ان يكون ضمير امته وشاهد عصره، فخرقنا الناموس الرسمي، واوصلنا ذات جعجعة ادبية كبرى ترعاها الحكومة بكامل قيافاتها (الثقافية) و(الامنية)و(الاستخبارية) ، رسالتنا مكتوبة بخط اليد ومنسوخة بمئات النسخ الى المجعجعين والمجعجع بهم ، فطار عنوان الجعجعة وحل عنوان رسالة (تضاد)(2)

ببيانها ودهمائها(3) ورأسها (4)وخيول معناها(5) ، فذعر المتفرجون من ادباء المكاتب المخملية والمؤسسات وحكواتية الاراجيل المنافقة وقصخونية الاخوانيات

الكاذبة، وهمسوا في اذاننا ان نرعوي، وان نخشى على قمصاننا الهرئة من اهتراء اكثر، وان نديم عافية الندامة وان نرتع ثمالة الليل وعلى مسمع عطسة منا ينبجس رجع همهمة مفجوعة، فما ارتدعنا وذهب انين الاشلاء التي انفت منها كلاب بساتين المدائن، بين الناس كائنا ابداعيا كرغيف استحم برماد الخشية(6).

ومضت (تضاد) عنوانا للقلم الشرس دفاعا عن انسانية الانسان وحرمته عقلا وخيارا ومعتقدا ومالا وعرضا وجسدا ، عنوانا مقاوما عن الحياة، والانسان والحرية، ولم تناور ولم تتق ولم تهادن لكنها ارتدت مسوح المحارب كرا ثم كرا ثم التقاط الانفاس ثم كرا.

حينذاك، شاع فايروس الشراسة بين بعض الادباء الذين يمور في عروقهم دم الرسالة والشهادة والضمير وبدأت النصوص تنفض غبار اقبيتها، ولم ينزو في جحره صامتا الا ادباء المؤسسات وادباء الارتزاق وادباء المراحيض الذين لاتنهض قرائحهم ولا يعلو صوتهم الا في المراحيض.

كان ذلك في زمن لم تدس فيه جزم مارينز الصليبية الجديدة بغداد التي في البلاد كالاستاذ في العباد.

واذا كان ادباء المراحيض افرادا في الزمن الغابر فانهم في زمن الاحتلال صاروا للاسف كيانات ومؤسسات ومنابر، ومثلما لم يجهروا بحرف واحد ضد سحق انسانية الانسان وخياره ومعتقده من قبل ، فانهم اليوم يرتدون جلود النعام فما من احد منهم رفع رأسه او رأس قصيدته او  قصته او مقالته ضد الاحتلال ، فالاحتلال عندهم عيد دونه كل الاعياد ، ومن العار عندهم ان تكون لهم قولة صامتة او صائتة ضد سبي البلاد والعباد ، ضد نحر ثقافة وطن عمره ستة الاف سفر حضاري، ضد محاولة انتاج شعب هجين بينه وبين بابل واشور وسومر واكد واشنونا وميشان معارك داحس والغبراء ، شعب يدين بالولاء لقاتله وبالطاعة لمغتصبه.

اقول للمحسوبين سهوا على دارة الادب، المذعورين من نازية المحتل، الخائفين من ظلاله، المرعوبين من ثآليله، المهزمين من خشونة النص الشريف الى نعومة النص الوضيع، الذين لم يولوا وجوههم مصلين شطر (اذا كان الوطن في خطر فلتذهب العقائد الى الجحيم) ، ولم يحجوا الى بيت الذي حمل روحه على راحته والقى بها في مهاوي الردى فاما حياة تسر صديقه واما ممات يغيظ العدا ، اذا كانت مهمة الرجل هي ملء الفراغ الارضي والكوني وقلب المرأة وجسدها كما تقول اثيرة محبتنا المبدعة العروبية احلام مستغانمي، فأي فراغ يشغله الرجل الاديب في زمن احتلال وطنه؟

ولهؤلاء الذين لا اسمي ، وتذكرة لصفع النسيان في حمأة معارك ادباء المراحيض، اوجه دعوة لان يرجموا انفسهم وتاريخهم الفطيس بحجارة مستغانمي حين تخاطب بوجعها المقدس وطنها الذبيح:

ايها الوطن الكبير..

ياوجعنا الموروث:

(لاتطرق الباب كل هذا الطرق، فلم اعد هنا!)

**

يوم كتبت أحبك ..قالوا شاعرة

تعريت لأحبك ..قالوا عاهرة

تركتك لاقنعهم .. قالوا منافقة

عدت اليك .. قالوا جبانة

اليوم نسيت انك موجود

وبدأت اكتب لنفسي

وأتعرى للمرآة

**

هم احبوك.. اصبحوا زعماء

تعروا .. أصبحوا اغنياء

تركوك .. كدنا نشبع

عادوا .. بدأنا نجوع

اليوم لا احد يعرف تفاصيل نشرة الاخبار القادمة

مارست العادة السرية على الورق، وعلى السرير

وفي غرفة التحقيق فاجأني المخبر وانا اتناول حبوب منع

الحمل.

سجنت بتهمة تبذير طاقتي الجنسية في غير صالح الوطن

ليس يهم .. لن احبل منك بعد اليوم!

 

(1)            الادباء مؤسسو جماعة تضاد: المرحوم اسماعيل عيسى بكر وشوقي كريم وحميد المختار وانا.

 (2)              (تضاد) جماعة ادبية ابتكرت النص الادبي الجامع المسمى (مرأى).

(3)            الدهماء: مرأى لحميد المختار

(4)            الرأس: مرأى لشوقي كريم

(5)            خيول المعنى: مرأى لعبدالرضا الحميد

(6)            الرغيف الذي استحم برماد الخشية : مرأى لعبدالرضا الحميد ، وهو اول نص ادبي نشر عام 1987 موثقا اول مقبرة جماعية في منطقة المدائن كان الكاتب شاهد عيان على مجموعة كلاب تنهش ضحاياها بقرف.

 

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter