أبو البرنامج النووي العراقي يكشف وقائع مما مضى — القسم الثالث والاخيراحد علماء البرنامج نسي ليلة زفافه لانغماسه بعمله تغتاله (اسرائيل) في جنيف

صدام يرسل نموذجا من اليورانيوم المستخرج من عكاشات الى الملك السعودي

 

وكشف الدكتور همام عن وقائع أخرى: (عمدت إسرائيل الى ترهيب الخبراء والعاملين الفرنسيين في المشروع، حيث قامت بتفجير بيت خبير فرنسي في باريس، وأصيب الخبير بجروح بالغة.
كما استهدفت إسرائيل الاتفاقية العراقية –  الإيطالية أيضا، عندما فجرت مقر شركة سنياتكنت الإيطالية المكلفة بمشروع مختبرات الوقود البارد والقاعة التكنولوجية ومنشآت انتاج النظائر المشعة، كما حاولت تفجير دار مدير فرع الشركة في مدينة ميلانو الإيطالية، حيث تعرض المدير لاصابات لم تكن شديدة الخطورة).
{ وماذا عن الاغتيالات التي شملت خبراء عربا متعاونين ونظراء لهم من العراقيين؟
وشرح الدكتور همام ذلك  بالقول:
(في ضوء ذلك، تشكل فريق من العلماء في العراق من عراقيين ومن جنسيات عربية أخرى، كان على رأسهم العالم المصري المرحوم يحيى المشدّ، لاجراء الحسابات المفاعلية والنيوترونية وكيفية توزيع الوقود في قلب المفاعل، وما هي القضبان المهدئة التي ينبغي اضافتها او التقليل منها، وأين توزع القضبان العاكسة والقضبان للنيوترونات وكيف.. وكيف؟
لقد بدأ العلماء العراقيون عملا خطيرا لن تتساهل إسرائيل ازاءه؛ اذ شرعوا في اجراء الحسابات التي تقود الى تصميم مفاعل، وانشاء ما يسمى مكتبة الحسابات المفاعلية والنيوترونية، وطلبوا من الفرنسيين بالمقابل ان يكشفوا حساباتهم لأغراض المقارنة والتدقيق. وكانت مجموعة العقول العراقية قد توصلت فعلا الى امتلاك القدرة على اجراء تلك الحسابات المعقدة التي تعتبر جزءا مهما من المعرفة الفنية التي لا تعطى لدولة نامية، بل لا تعطى لاية دولة أخرى. وقد تصورت إسرائيل انها اذا اغتالت رئيس المجموعة ينتهي الامر ويصفو لها الجو، وهكذا اغتيل المرحوم د. المشد، المحب للامة والباذل كل جهده من اجل رفعتها علميا، العربي الذي فتح له العراق ذراعيه وفتح هو للعراق قلبه وعقله وتمت عملية الاغتيال في باريس، وحبكت بشكل رخيص قصة المومس امعانا في تشوية صورة ذلك الرجل المؤمن، وفي تشويه سمعة العرب وتصويرهم أناسا متوحشين ليس لهم من هم غير اشباع شهواتهم الجنسية.. قصة على غرار أفلام الكاوبوي الامريكية والهنود الحمر، وغيرها من القصص التافهة والمقززة.
ولم يكن مقتل د. المشد ممكنا دون تواطؤ جهات واطراف فرنسية أيضا قامت بنقل المعلومات الى إسرائيل أولا بأول، وسهلت عملية الاغتيال. واستمر العمل في بناء المفاعل، ونظرا الى طبيعة منطقة التويثة التي بني فيها، وهي طبيعة جيولوجية وهيدرولوجية، فقد كانت اعمال صب الاساسات وبناء حوض المفاعل تواجه مشكلات جمة.
وأضاف الدكتور عبد الخالق:
ان منطقة التويثة تقع عند التقاء نهر ديالى بنهر دجلة، وتسمى منطقة حوض نهر ديالى وتشير الصور الجوية والصور الفضائية الى انها منطقة تمتد فيها المياه الجوفية وتتداخل مع النهر، لتشكل بحيرة تحت سطح الأرض، أي كان من الواجب بناء المفاعل فوق بحيرة، وتحيط به بحيرة فوق ارض طينية رخوة، مما اقتضى تجفيف المنطقة وسحب مياهها بعيدا، فتشققت بنايات. وكان مطلوبا في كل مرة إعادة الحسابات، وتعزيز الاساسات، واضافة عوازل.
واستمرت اعمال الصب في موسم الصيف، وقد خصص معمل لانتاج قوالب الثلج من اجل إضافة الماء البارد الى الخرسانة المسلحة لتبريدها وابقائها مبردة. وقد تطلب ذلك جهدا لوجستيا عالميا ومتواصلا ليل نهار.
فضلا عن ذلك، كان المهندسون العراقيون حريصين على انجاز اعمال الصب وفق المواصفات العالمية المطلوبة لمثل هذا المنشأ. وقد احتدم النقاش كثيرا، وكانت ملاحظات المهندسين العراقيين تنهال كالسيل العارم، الامر الذي ابهر العاملين الفرنسيين. لقد كانت آراء وملاحظات المهندسين العراقيين تخطئ حتى حسابات الجانب الفرنسي. وعلى سبيل المثال، ظهرت بعض الشقوق الشعرية في جدار حوض المفاعل، واثبت مهندس شاب لم تمض فترة طويلة على تخرجه في الجامعة، ملاحظاته التي أوقف بموجبها العمل.
واضطر الفرنسيون الى استخدام فريق بحوث متخصص بعلوم مواد البناء وحاول الفريق جاهدا اقناع المهندسين العراقيين بعدم خطورة هذه الشقوق الشعرية وبأن في الإمكان معالجتها بسهولة، لكن المهندسين العراقيين اصروا على رأيهم العلمي، وبرهنوا على صوابه، وتراجع الفريق الفرنسي، واقر بصحة الرأي الهندسي للعقل العراقي. وكان ذلك امرا خطيرا بالنسبة الى إسرائيل. اذ اصبح لدى العقل العراقي المعرفة والقدرة الفنية ليس فقط على اجراء حسابات مفاعلية وتصميم مفاعل، وانما أيضا على القيام باعمال الهندسة المدنية لانشاء مفاعل، فتجاوز هذا العقل الخطوط الحمر.
ومرة أخرى توهمت إسرائيل ان اغتيالها رئيس المجموعة سيريحها فاغتالت المهندس الاستشاري المرحوم عبد الرحمن رسول واغتيل المهندس كاكا عبد الرحمن أبو كاميران، الكردي عاشق العراق المستقل غير المنتمي الى حزب البعث، وكان رغم استقلاليته قد استقدم في سنة 1980 ليعمل في الطاقة الذرية، حاله حال كثيرين مستقلين استقطبتهم الإدارة العلمية للمنظمة، بغض النظر عن انتمائهم الحزبي او الديني او المذهبي او القومي، او خلفيتهم السياسية او أي اعتبار اخر، سوى مستواه العلمي وامانته العلمية وحبه للوطن والأمة.
ولم يكن اغتيال المهندس عبد الرحمن رسول ممكنا في باريس دون تواطؤ افراد فرنسيين، ودون معرفة التفاصيل الفنية للاعمال اليومية. مرة أخرى يظهر تواطؤ على مختلف المستويات، من اعلاها الى ادناها.
ولم يتوقف الجهد الهندسي للعقل العراقي برغم فداحة خسارة المهندس عبد الرحمن، ولم تتوقف المنظومة الهندسية، بل استمرت في العمل وابدعت.
لقد تشكلت مع بداية تنفيذ الخطة الاستراتيجية مجموعة تتولى اجراء بحوث تفضي إلى المعرفة الفنية للأجهزة والمنظومات الهندسية. وكان على رأس المجموعة د.المهندس سلمان رشيد سلمان، الذي لم يكن حزبيا ، بل كان جلّ همه العلم … العلم لاشيء غيره. كان يستغرق الساعات تلو الساعات في بحثه وقراءاته .. نسي حتى موعد عقد قرانه، تاركا الجميع، عروسه.. ضيوفه.. حتى رنّ الهاتف ليذكّروه بالموعد . خرج مسرعا .. دهس شرطيا في الطريق، ثم نقله بسيارته لمعالجته.
كان عمل هذه المجموعة سيضع العراق في مصافّ الدول المنتجة للأجهزة العلمية المتقدمة. ينافس بها الدول، ويضعها في خدمة الأمة.. أمر لايجوز للأمة امتلاكه، حسب المخطط الإسرائيلي ،ومرة اخرى رأت إسرائيل أنه لابد من اغتيال الرأس ، فاغتيل سلمان في جنيف ، في مركز البحوث الأوروبي (سيرن) في أثناء زيارة عملية له.
ولم يأت اغتيال كل من د.يحيى الشد، والمهندس عبد الرحمن رسول ، ود.سلمان رشيد عشوائيا أو اغتناما لفرص حضورهم ووجودهم خارج العراق ، بل كان اغتيالا مخططا لإشخاصهم بالذات ، مستهدفا شل قدرة العراق العملية فالمشدّ كان رأس المجموعة العلمية المكلفة بالحسابات المفاعلية، وبالتالي المجموعة التي تضع التصاميم الفيزيائية والهندسية لبناء المفاعل.
والمهندس عبد الرحمن رسول كان رأس المجموعة الهندسية المكلفة بتصميم وتنفيذ أعمال الهندسة المدنية ، ود.سليمان رشيد كان مسؤول المجموعة المكلفة بتعشيق الفيزياء بالهندسة لتوليد تكنولوجيا منظومات الفحص والقياس و إنتاج الأجهزة.
وبذلك يتكامل خط علمي تكنولوجي لتصميم مفاعل وبنائه وتجهيز منظوماته.هذا ماكانت إسرائيل تراقبه وتتابع نمو قدراته، ولم يرق لها ذلك فخططت ونفذت ، ومع ذلك لم يتوقف العراق عن سعيه العلمي).
{ لكن مع ذلك تم تدمير مفاعل تموز بحادث الطائرات الاسرائيلية المعروف في حزيران عام 1981.ماذا عن ذلك؟
(لم يبق أمام إسرائيل سوى القيام بفعل يرضخ الجانب الفرنسي والاخرين ويرغم على وقف العمل ووقف التعاون مع العراق، فعل يرهب ويقدم الحجة ، وهكذا حصل. الذي حصل يوم 7/6/1981 قصفت إسرائيل المفاعل فهرع الجميع إلى مكان الحادث، كان المشهد مأساويا حزينا ، امتزجت فيه مشاعر الغضب والحزن… وقف المدير الفرنسي للمشروع وعلى محياه ابتسامة حاول جاهدا أن يخفيها وهو يردد بإنكليزيته الممزوجة باللكنة الفرنسية: كم هو مؤسف، كم هو مؤسف.
ويعد الحراك العراقي على الدول العربية لشرح الموقف عملية دبلوماسية تنطوي على اهمية تاريخية فما الذي جرى بالنسبة للمملكة العربية السعودية؟
وكتب صدام حسين رسالة وجهها الى الملك السعودي فهد بن عبد العزيز ،مذكرا بما اعلنه سلفه الملك خالد ، وماتعهد به،واستفسر عما اذا كانت العربية السعودية مازالت على هذا العهد)؟.
وحمل الرسالة مبعوث رئاسي ليسلمها الى الملك فهد ومعها هدية رمزية كانت عبارة عن عبوة زجاجية صغيرة محكمة الغلق بداخلها غرامات قليلة من خامات اليورانيوم العراقي (الكعكة الصفراء) المستخلص من خامات الفوسفات في منجم عكاشات، تعبيرا عن ثروة الامة وما تختزنه ارضها المعطاء، وعن حق أبنائها في استثمار هذه الثروة.التقى المبعوث الملك فهد ، وقدم له الرسالة والهدية التي تقبلها بسرور وغبطة مستفسرا عن موقع تلك الخامات في العراق بشكلها، كناتج عرضي من الفوسفات او كخامات من الصخور؟ ثم قدم له المبعوث شرحا مفصلا عن البرنامج النووي العراقي وما استهدفه من امتلاك للعلم والتكنولوجيا وبناء صرح علمي عربي يلتقي فيه علماء الامة مع علماء العالم.وشرح له باختصار ماحصل للمفاعل من تدمير، واراء المختصين العراقيين في امكانية اعادة بناء المفاعل، وتوقعهم بشأن التزام الجانب الفرنسي . كما اوضح للملك ماتوصلت اليه بحوث ودراسات العلماء في العراق لبناء البرنامج النووي للبحوث العلمية دون الحاجة الى مفاعل نووي يفي بالغرض، الذي هو بناء قاعدة علمية عربية متقدمة وامتلاك للعلوم والتكنولوجيا في حافاتها الامامية.وأكد فهد بن عبد العزيز مجددا التزام بلده بالعهد الذي قطعه الملك خالد ، مبديا الحماسة والمشاعر كما ابداها سلفه، لكن بسبب تنصل الجانب الفرنسي من اعلان استعداده لاعادة بناء المفاعل بشكل خاص ومن التعاون النووي مع العراق بشكل عام ، لم يعط هذا العهد فرصة للتنفيذ).
{ أستأذنا مضيفنا بالمغادرة، وبرغم الوعكة الصحية آثر الدكتور همام مرافقتنا الى المصعد الكهربائي، وقبل ان يضغط على زر الاستقدام قال: انني زرت فندق كوبثرون الذي تقيمون فيه، آثر اتصال جاءني من الاستاذ أمير الحلو. ذهبت للسلام عليه.
وقاطعته: يرحمه الله. ودهمته المفاجأة وصرخ: أمات، متى؟ وقلت: قبل بضعة أشهر.
ورأيت سحابة حزن تغطي معالم وجهه وعبر عن الأسف لرحيله.
وتمنيت لو أني لم ابلغه بهذا النبأ.
كان الحلو احد أبرز المديرين العامين الذين رافقوا الدكتور همام ابان توليه قيادة وزارة الثقافة والاعلام.
كما كان واحداً من آخر اثنين من المسؤولين الاعلاميين الذين ظهروا في خلفية المؤتمر الصحفي الشهير لمحمد سعيد الصحاف عشية 9 نيسان 2003 وتوعد فيه (العلوج) الامريكان اذا تجرأوا ودنسوا اسوار بغداد، فيما كانت طلائع الدبابات الامريكية تعبر جسر الجمهورية فوق دجلة مخترقة شارع السعدون للوصول الى ساحة الفردوس، حيث جرت وقائع السيناريو الذي نقلته فضائية فوكس الامريكية، وحيث بدأت تداعيات ما أعقب الاحـــــــــــتلال.
وذلك لا صله له بالمقابلة مع أبي البرنامج النووي العراقي، بل يمثل حكاية طويلة من حكايات الوجع العراقي.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter