أبو البرنامج النووي العراقي يكشف وقائع مما مضى – القسم الثانيهمام عبدالخالق: استخرجنا اليورانيوم من عكاشات وفي النجف منجم لليوانيوم

الفرنسيون ارادوا تخصيبا عاليا لليورانيوم في مفاعل تموز

 

 

 

وعلى صعيد التعليم أنجز الدكتور همام اربعة كتب بتعاون مشترك ، الاول استراتيجيات التعليم التقني –  تحديات التعليم التقني العربي ورؤى المستقبل، والثاني استراتيجية التعليم العالي في العراق في اطار سياسات العلم والتكنولوجيا.

أما الثالث فقد صدر عن المنظمة العربية للتنمية الادارية التابعة للجامعة العربية بعنوان استرتيجية الجودة والاعتماد الاكاديمي في ظل سياسات العلم والتكنولوجيا.

والرابع بعنوان الادارة الاستراتيجية للجامعات –  مداخل فلسفية وتطبيقات ميدانية.

وعلى صعيد البرنامج النووي فانه اصدر كتاب استراتجية البرنامج النووي في العراق في اطار سياسات العلم والتكنولوجيا ، والثاني التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل في العراق –  دور لجان التفتيش وفرقها في تدمير العراق والتمهيد لاحتلاله.

وفي هذا الأخير وجد الدكتور همام نفسه منقادا لكشف العديد من الحقائق المرة، التي لم تكن تفاصيلها واضحة او ان مؤلفين اخرين، قد عرضوها ناقصة أو تغافلوا عنها.

وقال لي: (ان مادفعني الى كتابة رؤيتي في هذا الموضوع هو حرصي على الحقيقة ورغبتي في تاكيد علمية وسلمية البرنامج النووي العراقي الذي تمتد جذوره الى حقبة الخمسينات من القرن الماضي).

ونهض صوب خزانة ملحقة بصالة الاستقبال وعاد حاملا نسخا من الكتب المذكورة.وقال هاك.

وأحسست كما لوانه اراد ابلاغي رسالة مؤداها (ان ما تبحث عنه ستجده فيها).

وها انا اقتبس منها بعض الاسرار، التي ظلت في ذمة التاريخ حتى قيض للدكتور همام وفريق عمله كشفها بالادلة وشواهد الاثبات.

وكان عليّ اولا ان اتحرى عن مكان انتاج اليورانيوم. واسأل كيف تسنى للعراق الحصول على هذا الخام الثمين؟

يقول الدكتور همام في كتابه الأول:

(ان العراق بلد غني بالثروات المعدنية، وقد أجري له في السبعينيات أول مسح جيولوجي وتحرّ معدني جاد وشامل استخدم فيه أحدث التكنولوجيات في حينها. ولم يعتمد العراق في هذا الصدد على شركات اجنبية فقط،بل كان الجيولوجيون العراقيون في طليعة من أدى هذه المهمة، إذ جابت الفرق الجيولوجية العراقية أرض البلاد من شماله الى جنوبه.

وأشارت الدراسات والمسوحات، التي أجرتها لجنة الطاقة الذرية العراقية مع مؤسسة المسح الجيولوجي والتنقيب المعدني في منتصف السبعينيات، إلى وجود خامات اليورانيوم بنسب قليلة ، لكن ذات جدوى اقتصادية، في صخور الفوسفات الموجودة في منطقة عكاشات في الصحراء الغربية.

ووقّعت وزارة الصناعة والمعادن مع شركة بلجيكية عقدا لإنتاج مركّبات الفوسفات للأسمدة، ثم وقّعت عقدا اخر لاستخلاص خامات اليورانيوم. وكانت منظمة الطاقة الذرية العراقية قبل ذلك تسعى إلى تأمين كمية كافية من خامات اليورانيوم لتمكن الباحثين من إجراء تجارب تحضير مركّبات اليورانيوم الداخلة في صناعة الوقود النووي لمفاعلات المحطات، ودراسة خواصها. وتعاقدت لهذاالغرض مع دولة النيجر، واستوردت كمية بقيت دون استخدام ، بعد أن بدأت منشأة عكاشات بإنتاج خام اليورانيوم عن طريق استخلاصه من الصخور الفوسفاتية، وبعد أن اكتملت مختبرات تصنيع الوقود.

كما أسفرت عمليات التنقيب الجيولوجي والتحرّي المعدني التي قامت بها وزارة الصناعة والمعادن عن اكتشاف منجم لخامات اليورانيوم في منطقة أبو صخير في محافظة النجف. والمنجم هو من النوع المفتوح، ويمكن كشط سطحه العلوي ليبدأ حفر وجمع الخامات.

وقد بدأت لجنة الطاقة الذرية ووزارة الصناعة معا لتطوير المنجم تمهيدا لاستغلاله لكن بعد صدور قرار مجلس الأمن الرقم 687 لسنة 1991، وما تبعه من تعديلات بموجب القرار الرقم 707 لسنة 1991، قامت فرق التفتيش بإغلاق المنجم في فترة لاحقة بأن سدت مدخله بالخرسانة، الأمر الذي حال دون استغلاله حتى الان.

  • لكن كيف تم تجاوز الرقابة الاسرائيلية في ذلك؟

ويقول الدكتور همام : (ليس قلق إسرائيل وليد توقيع اتفاقية التعاون النووي بين العراق وفرنسا، بل هو أبعد من ذلك بكثير، فإسرائيل أسيرة عقيدتها التوراتية بأساطيرها وتعصبها ونزعتها التدميرية.ويتجلى هذا القلق من العراق بأعلى أشكاله في ما أورده الكاتب الإسرائيلي شلومو نكديمون، الذي ألف كتابه الشهير تموز في اللهب، وتناول فيه عملية قصف إسرائيل لمفاعل 17 تموز).

ويضيف ( لم يكن النشاط العلمي للعقل العراقي خافيا على إسرائيل ، بل كانت تترقبه وتراقبه وتتابع خطواته، فهي تعلم علم اليقين أن مأزق إسرائيل التاريخي سيكون عندما تبدأ الأمة بالتقدم علميا وحضاريا، وتصبح في المستوى الذي تتنافس فيه مع العالم المتقدم.. يتفاعل علماؤها، ويتبادلون بموجبه العلم والمعرفة مع علماء العالم ومثقفيه في ارقى حلقات العلم والتكنولوجيا.. يكون فيه علماء الامة اعلاما تحصد جوائز علمية عالمية جنبا الى جنب مع علماء مبرزين اخرين. وعند ذاك لن تصبح إسرائيل (تلك الجزيرة الديمقراطية المتحضرة المسالمة) المحاطة بعالم همجي متخلف، سكانه أناس متحجرون متوحشون قتلة لا يفقهون من العلم والمعرفة شيئا.

وكانت إسرائيل تبذل قصارى جهدها كي تئد أي نشاط علمي معرفي عربي اذا ما استشفت جديته وصحة مساره، بما يفضي الى تقدم الامة وبلوغها مرحلة الرقي عالميا. هكذا فهمت القيادة في العراق جانبا من الصراع ضد الصهيونية وكيانها إسرائيل، وتصرفت بموجب ذلك الفهم.

ومنذ اللحظة الأولى للاتفاق العراقي –  الفرنسي، وبدء المفاوضات الفنية والتعاقدية بشأن مشروع المفاعل، بدأت إسرائيل سعيها لافشال الاتفاق فهي اعتبرته واعتبرت الاتفاق العراقي –  الإيطالي إيذانا بمرحلة جديدة لاستراتيجية تهدف الى وضع سعي الامة لامتلاك ناصية العلم نحو حافات العلم والتكنولوجيا والابداع فيهما، على مسار جديد يوصلها حتما الى المأزق التاريخي، لذلك لم تأل جهدا لعرقلته ووقفه وتدميره.

بدأت إسرائيل بعد توقيع الاتفاق العراقي –  الفرنسي بحملة إعلامية مكثفة لتوهم بها ان لهذا المفاعل القدرة على انتاج كمية من البلوتونيوم تكفي لصنع قنبلة ذرية.. وهو امر غير معقول لان فرنسا دولة موقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ومن الدول الضامنة لهذه المعاهدة، فضلا عن انها واحدة من خمس دول دائمة العضوية في مجلس الامن ومسؤولة عن السلام والامن الدوليين).

ويمضي ابو البرنامج النووي العراقي الدكتور همام عبد الخالق في رحلة عرض جهود العلماء العراقيين الذين رافقوه في البرنامج من اجل استثمار اليورانيوم لاغراض مدنية فيتعقب الخلفيات ويكشف خفايا المباحثات بين العراق ودول معينة كفرنسا ونيجيريا للحصول على مكونات اقامة مفاعل نووي قوبل بكثير من التآمر الدولي لاسيما الاسرائيلي. ويقدم كذلك خفايا سرية واخرى علنية تناولها الاعلام الدولي.

  • ترى هل اكتفت إسرائيل بذلك؟ اعني هل اكتفت بحملات دعائية ضد الاتفاق العراقي الفرنسي؟

وقال الدكتور عبد الخالق: عندما اصبح قلب المفاعل، الذي سيحوي بداخله الوقود لاحقا، جاهزا للشحن في ميناء تولون الفرنسي، تسلل عملاء الموساد الى الميناء ونفذوا عملية تفجير، فاصيب قلب المفاعل باضرار. وعرضت فرنسا صنع قلب مفاعل جديد، لكن كل الفحوصات دلت على إمكانية إصلاحه، فتم الاتفاق على الإصلاح، لان صنع قلب جديد يستغرق وقتا أطول كثيرا. وقد دلت الوقائع كافة على وجود تواطؤ من جانب افراد او مجموعات فرنسية ، ربما كان بعضها في مفاصل امنية في الدولة الفرنسية؛ اذ لم يكن ممكنا دون هذا التواطؤ ان يصل عملاء الموساد الى مكان خزن القلب وتفجيره.

واثار التفجير الرعب لدى بعض المختصين الفرنسيين، وجاءت فرصة للبعض الاخر لاثارة موضوع ارتفاع نسبة تخصيب الوقود الذي سيجهز به المفاعل، فمارست تلك الأوساط وغيرها، وهي متعددة الاتجاهات والنيات والمشارب، الضغوط لتغيير نسبة الوقود من 90 بالمئة الى 20 بالمئة، واقترح الجانب الفرنسي هذا التغيير، داعما حجته بان الاتجاه العالمي كان في حينه سائرا نحو استبدال الوقود العالي التخصيب في مفاعلات البحوث بوقود منخفض التخصيب. ولن يكون للاستبدال تأثير في مواصفات المفاعل وخواصه. وتحجج الفرنسيون بان هذا التغيير يسحب البساط العلمي من تحت الحملة الدعائية المعادية، التي تدعي ان الوقود العالي التخصيب سوف يستخدمه العراق لأغراض انجاز سلاح نووي.

وبهدف ترغيب العراق، اقترح الجانب الفرنسي ان يشارك العراق في بحوث التخصيب الكيميائي. هذا في الوقت الذي لم يكن لدى العراق من الناحية العلمية او الفنية أي اعتراض على وقود منخفض التخصيب؛ فقد كان مفاعل 14 تموز الروسي المنشأ قد عمل فترة طويلة قبل تطويره بتشكيلة وقود بنسبة 10 بالمئة، وأخرى بنسبة 36 بالمئة من اليورانيوم المخصب، ولما تعاقد العراق مع الجانب السوفياتي، قبل انهياره، على تطوير هذا المفاعل، استخدم الروس وقودا بتخصيب نسبته 80 بالمئة، كما هو الحال في المفاعلات الروسية التي طورت. ثم ان العراق لم يطلب حصرا مفاعلا بوقود عالي التخصيب، بل طلب مواصفات لمفاعل بحوث، والفرنسيون هم الذين عرضوا مفاعل بوقود عالي التخصيب، بموجب برنامجهم التصنيعي والحسابات النيوترونية، ولم يعترض العراق.

من الناحية العلمية، تنعكس نسبة التخصيب على كمية الوقود المطلوبة لتشغيل المفاعل، وعلى توزيع ذلك الوقود في قلب المفاعل، وعلى السيل النيوتروني الناتج والمطلوب لأغراض التجارب. ان أي نسبة تخصيب تحقق سيلا نيوترونيا يفي باغراض التجارب مقبولة ولا اعتراض عليها.

لكن الجانب العراقي بين للجانب الفرنسي ان هذا التغيير رضوخ لإسرائيل واستجابة لضغوطات داخلية، ولا يحتمل أي تعليلات علمية مخافة استخدام الوقود لأغراض غير الغرض الذي صنع من اجله، وهو تشغيل المفاعل.

مع ذلك، استجاب العراق، وطلب دراسة الحسابات المفاعلية والسيل النيوتروني، ووضع الحلول التي تكفل تشغيل المفاعل واجراء التجارب. لقد ابدى العراق مرونة عالية حرصا منه على الإبقاء على شفافية البرنامج وعلى إنجاح فكرة المركز العالمي للبحوث النووية المتقدمة).

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter