آه لو رجع الزمان القهقري


نادية العبيدي

بكرت بالنهوض في ذلك اليوم ..!! كنت قد نمت ليلي منتظرة أطلالة أول خيوط الشمس الصباحية لأستلذ بقهوتي الساخنة وأبدأ بالتخطيط لذلك اليوم … كان أول مشاريعي التي كنت أقوم بتأجيلها دوماً لأسباب لا اعرف ماهي ربما عرضية كانت أو لكوني كنت اضعها في دفتر يومياتي الذي يحتوي صفحات طويلة من مشاريع اود القيام بها .. منها ما يعتبره الناس تفاهة .. ومنها ما احسبه صعب التحقيق ومنها ما أخفيته في طيات ذاتي .. اريده وأخاف تحقيقه كي يبقى لي خزين من آمال وآحلام او مشاريع ترفة مؤجلة …
تعالوا معي في مخططي لهذا اليوم … كنت مهتمة بالمتحف البغدادي منذ صغري وكثيرا ماكنت اروح نفسي بين عبقه التاريخي وانسام ايامه البغدادية الدافئة الرخية الحميمة.. كلما عبرت من فوق الجسر اومئ برأسي واقول في المرة القادمة حتماً سأدخل اليه .. لكن هذه المرة عزمت فوقفت على عتبة ابوابه الخارجية ..هناك فترة للتأمل مع نفسك والرجوع والتهيؤ لفترة عظيمة وحقبة من زمن مر ولن يعود انما ذكراه رغم خلودها الاني قد تنقرض وتنتهي ..وصلت عند باب خشبي كبير فتح على مصراعيه مع أنارة خافته تستقبلك سلالم ملتوية ومتسلسلة تقودك الى شبه طابق سفلي  تلاقيك في بدايته غرفة صغيرة لقطع التذاكر وترنو الى اسماعك اصوات اغان قديمة من التراث فتثير في داخلك احاسيس مختلفة ومتضاربة.. برودة لذيذة وعبق ايام خوال تهب عليك من غرف منتشرة عبر المكان .. عبرنا الباحة التي تأتي بعد غرفة التذاكر ودخلنا الى غرفة منتشرة على جدرانها صور قديمة تحكي تاريخ بغداد القديم بداية من ابوابها القديمة وانتهاءً بجسر الشهداء والمكان الذي نحن فيه .. استقبلتنا غرف كثيرة كل غرفة تنقلك الى عالم تتمنى ان تعيش فيه عالم ملؤه البراءة والطيبة .. تلاقيك مجموعة من اشخاص لو انك لا تمعن النظر بهم وتمر عليهم مرور الكرام لكنت اعتقدت انهم اناس حقيقيون .. كانت الاصوات المنبعثة من كل غرفة نصل اليها تجسد الحدث واللحظة الآنية التي تعيشها فتبدأ نفسك بالتفاعل معهم وكأنك تعيشها ايضاً .. مشاهد كثيرة هزتني وجعلتني اختنق بعبراتي ومن اكثر هذه المشاهد المقتطعة من حياة البغداديين اثارة هو مشهد العائلة العراقية وهي تنام في سرداب الاب والام والابن والابنة معا .. وبالقرب منهم  صينية من الفافون وضع فيها نصف رقية ومعها صحن وبضع حبوب رقي وبالقرب من الصينية صينية اخرى وتسمى بالعامية (تبسي) مدور موضوع فيه (التنكة) ومن حولها ماء لتبريدها مغطاة بقطعة قماش ندية .. وكذلك الاكثر من هذه المشاهد دقة هي الزفة وحنة العروس وحمام النسوان والسوق الذي ما ان تدخله حتى تملأ منخريك  رائحة البهارات الزكية التي تفوح من القدور العراقية والتي لا غنى لمطابخنا عنه .. انتقلنا الى مكان آخر وما ان دخلت حتى نسيت بأننا في متحف فأسرعت بالمرور من أمامهم وهو المقهى .. وأقسم اني حسبتهم اناس يجلسون على المصاطب في مقهى حقيقي .. واخذت اضحك مع نفسي لقدرة النحات على الابداع في صنع هذه التماثيل .. نعم ابدع في تجسيدها ومنحها ما يستحق ان يقال عنه انه فنان مبدع .. ما ان هممت بالمغادرة وانتقالاً من غرفة الى اخرى انتابتني عبرات لم استطع كبتها وأبت الا ان تخرج وتنحدر .. لقد تمنيت لو اني كنت اعيش في ظل هذه المرحلة التي اعادتني الى ايام اجدادي الذين كانوا لا يخشون اي شيء من غدر او خيانة من اقرب الناس .. لقد كانت ايامهم التي يعيشونها لا تشغلهم فيها حروب بأسلحة متطورة ولا قنابل ذكية تحدد الهدف وتدمره من اماكن بعيدة بين القارات .. لايشغلهم اقتناء تلفاز دجتل بعدة انظمة او شراء ريسيفر يحتوي على شفرات فتح القنوات المشفرة والتي يكون الدخول اليها بأشتراك شهري مضافاً الى الخوف من انتهاء رصيد كرت موبايل .. لم يكن يشغلهم ان يهجروا من بيت ولن يجدوا بيتا آخر لان كل البيوت بيوتهم وكل الاراضي ارضاً لهم .. كانوا ينامون مبكرين ليس خوفاً من دخول الليل عليهم وهم لا يزالون في طرف الكرخ او الرصافة وتوقفهم السيطرات تحسباً من حصان مفخخ او عربة حصان مدججة بالاسلحة .. لاترهقهم المولدات واصواتها ورائحة الكاز ومخلفاتها الذي نستنشقه مع الهواء الذي تغير لوناً ورائحةً .. ليس الهم عندهم كيف يذهبون بالغد لأنجاز اعمالهم والعودة لبيوتهم غير مرهقين من اصوات مزامير وصفارات مسؤولين تصم الآذان وزحام شديد لا يطاق .. خرجت وانا اندب حظي لاني ما عشت في ذلك الزمن الذي يسمى بالمتخلف او القديم .. وصرخت مع نفسي وانا لا ازال اعيش لحظات هذه الايام على زحام شديد ومزامير مرعبة.. عاش التخلف .. عاشت ايام أجدادي وليتها تعود للحظات كي تغسل ما جاء وما فات ولكن هيهات

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter